كيف أسهمت مراكز البيانات في هزيمة الجمهوريين؟

خلف كل سؤال يطرحه مستخدم على شات جي بي تي أو غيره، وخلف كل صورة يولّدها الذكاء الاصطناعي، مبانٍ ضخمة مليئة بالخوادم تعمل ليلاً ونهاراً، يقع عدد كبير منها في الولايات المتحدة. تستخدم هذه الأنظمةَ مئاتُ الملايين حول العالم، وغالبيتهم لا تعرف شيئاً عن المكان الذي تُشغَّل منه. أما الأميركيون الذين يسكنون قربها، فيعرفون الكثير: ضجيج لا يتوقف يحرمهم النوم، واستهلاك كبير للمياه، وأراضٍ زراعية تتحول إلى منشآت صناعية، وكهرباء صارت أغلى. فبحسب تحليل لوكالة «بلومبرغ»، ارتفعت أسعار الكهرباء بالجملة في بعض المناطق الأميركية القريبة من مراكز البيانات بنسبة وصلت إلى 267 في المئة خلال خمس سنوات، وانتقل جزء من هذه الكلفة إلى فواتير السكان.

ومع انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر)، انتقلت هذه الاعتراضات إلى صناديق الاقتراع، في أول اختبار انتخابي لتحالف شركات التكنولوجيا مع الرئيس دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض.

في تكساس، لم تنفع ملايين إيلون ماسك في إنقاذ حليفه غريغ أبوت. فبعد أكثر من ثلاثين عاماً من حكم الجمهوريين، انتخب سكان الولاية الديمقراطية جينا هينوخوسا حاكمةً لها، وهي التي تعهدت بوقف إنشاء مراكز بيانات جديدة حتى إقرار قوانين تحمي السكان من استهلاكها الهائل للكهرباء والمياه.أما أبوت، فقد فتح أبواب تكساس أمام شركات التكنولوجيا، وأعلن قبل عام أنه يريد لولايته أن تصبح «مركز تطوير الذكاء الاصطناعي». ونال من ماسك دعماً انتخابياً بلغ 5.5 ملايين دولار، فيما منحت إدارته شركات الملياردير حوافز تتجاوز 1.6 مليار دولار.

لسنوات، استقطبت تكساس شركات التكنولوجيا القادمة من كاليفورنيا، وفي مقدمتها شركات ماسك، ولحقت بها مصانع ومراكز بيانات ومحطات طاقة وخطوط كهرباء تعبر المناطق الريفية. هناك تحديداً بدأ الاحتكاك مع القاعدة التقليدية للجمهوريين. في تحقيق نشرته «تكساس تريبيون»، التقى صحافيوها بناخبين جمهوريين محافظين دفعهم غضبهم من مراكز البيانات إلى الاجتماع بهينوخوسا، خوفاً من التلوث والضوضاء وارتفاع أسعار الكهرباء.

أبعد من تكساس

ولم تكن تكساس استثناءً. في أوهايو، فاز الديمقراطي شيرود براون بمقعد في مجلس الشيوخ بفارق خمس نقاط، بعد حملة إعلانية بملايين الدولارات قدّمت منافسه الجمهوري جون هوستد على أنه «وجه مراكز البيانات في أوهايو». وفي ميشيغن، فاز الديمقراطي عبد السيد بسباق لمجلس الشيوخ كانت مراكز البيانات من أبرز قضاياه، فيما خسر النائب الجمهوري غيب إيفانز مقعده في كولورادو في دائرة حضرت فيها القضية بقوة. وفي استطلاع أجرته «إن بي سي نيوز» لدى خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، قال 56 في المئة إن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات كانا عاملاً حاسماً أو رئيسياً في تصويتهم للكونغرس.وتكشف أرقام نشرتها «ذي إيكونوميست» قبل الانتخابات كيف يتحول القرب من هذه المنشآت إلى موقف انتخابي: فمن بين ناخبي ترامب عام 2024 الذين يعيشون على مسافة تقل عن كيلومترين من مركز بيانات، قال 17 في المئة إنهم سيؤيدون مرشحاً ديمقراطياً هذه المرة، مقابل 6 في المئة فقط لدى من يسكنون أبعد منها.وصوّت الأميركيون على مراكز البيانات مباشرة أيضاً. فقد طُرح أكثر من أربعين إجراءً محلياً يتعلق بها، نصفها تقريباً في أوهايو، وجاءت النتائج المعلنة حتى صباح الأربعاء كلها تقريباً لمصلحة تقييدها. وصوّتت ست مدن على حظرها كلياً.

هل أخطأ وادي السيليكون؟

جاءت هذه النتائج بعد إنفاق سياسي غير مسبوق من ماسك، قدّره موقع «أكسيوس» بنحو 445 مليون دولار، أملاً في الحفاظ على سيطرة الجمهوريين على الكونغرس. وفي صباح الرابع من تشرين الثاني، بعد خسارة الجمهوريين مجلسَي الكونغرس، كتب ساخراً على منصته أن إنشاء مراكز بيانات في الفضاء صار يبدو خياراً جذاباً.

لقد حصلت شركات التكنولوجيا على مكاسب كبيرة من إدارة ترامب، أهمها أمر تنفيذي صدر في تموز (يوليو) 2025 لتسريع بناء مراكز البيانات وتخفيف متطلبات المراجعة البيئية، باعتبار الذكاء الاصطناعي ضرورة في المنافسة مع الصين. وتحتاج هذه الصناعة إلى بنية تحتية تتوسع بوتيرة غير مسبوقة، إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالمياً تقريباً بين 2025 و2030.

قرب مراكز البيانات، صارت فاتورة الكهرباء قضية انتخابية

هنا تظهر حدود التفاهم بين اليمين الشعبوي والرأسمالية التكنولوجية. فالناخب المحافظ الذي يطالب بحماية بلدته من التغيرات المفروضة عليها قد يجد نفسه في مواجهة شركة يدعمها التحالف الذي انتخبه.ولا يمكن اعتبار هزيمة الجمهوريين استفتاءً على مراكز البيانات. فالعامل الأثقل كان الحرب على إيران، التي وعد البيت الأبيض بأن تستمر أسابيع فامتدت ثمانية أشهر، ورفعت مع إغلاق مضيق هرمز سعر غالون البنزين فوق أربعة دولارات منذ حزيران (يونيو). وفي استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع، قال 74 في المئة من الناخبين إن الحرب كانت عاملاً حاسماً أو رئيسياً في تصويتهم، مقابل 56 في المئة قالوا ذلك عن مراكز البيانات. حتى ترامب اعترف بعد النتائج بأن «جزءاً منها كان إيران».

معضلة جاي دي فانس

يصل هذا التناقض إلى داخل المشروع السياسي لجاي دي فانس. فنائب الرئيس يرتبط بعلاقات وثيقة مع بيتر ثيل وديفيد ساكس (راجع «الأخبار»، الجمعة 17 نيسان 2026، مقال: «مَن هم أصدقاء جاي دي فانس الذي يُفاوِض إيران؟»)، وهما من أبرز من دفعوا باتجاه اختياره نائباً لترامب.

ومع تصاعد الاعتراض، اتخذ فانس نبرة مختلفة عن نبرة الرئيس. ففي أواخر آب، وقبل توجهه إلى ولاية ميشيغن المتأرجحة، قال للصحافيين إن 99 في المئة من الاعتراض على هذه المنشآت يأتي من مناطق يعني فيها بناؤها ارتفاع فواتير الكهرباء، داعياً الشركات إلى أن تعيد الكهرباء إلى الشبكة بدلاً من أن تأخذها منها. وجاء كلامه في اليوم نفسه الذي أشاد فيه ترامب بمراكز البيانات، بعد أشهر من تأكيد الرئيس أن ارتفاع الأسعار بسببها «لا يحدث، ولن يحدث».

وتتجاوز شكاوى السكان الفواتير إلى الضجيج والتلوث واستهلاك المياه، وهي أمور لا يحلّها إنتاج مزيد من الكهرباء، وقد يزيدها سوءاً. ففي مدينة ساوثافن بولاية مسيسيبي، رفع سكان دعوى قضائية ضد شركة xAI المملوكة لماسك، بسبب هدير محطة الكهرباء التي تغذّي مراكز بياناتها واهتزازاتها المستمرة.هنا تكمن معضلة فانس. فالرجل يُنظر إليه مرشحاً محتملاً لانتخابات 2028، ويحتاج إلى أموال المستثمرين الذين أسهموا في صعوده، فيما المناطق الريفية التي تُبنى فيها مراكز البيانات هي نفسها التي يعوّل عليها الجمهوريون. فهل يمكنه الدفاع عن التوسع التكنولوجي السريع مع الحفاظ على التأييد في المناطق التي تتحمل تبعاته؟

لطالما تحدث وادي السيليكون بثقة عن قدرته على صناعة المستقبل. واليوم، صار عليه أن يجيب عن أسئلة الحياة اليومية: من سيدفع فاتورة الكهرباء؟ من سيحمي مصادر المياه؟ ومن سيضمن للناس حق النوم ليلاً؟عادةً ما يُطلق على هذه المنشآت في لغة التقنية اسم «السحابة»، وكأنها شيء معلّق في الهواء. على الأرض، هي مبانٍ من إسمنت وحديد، لها جيران، ولجيرانها أصوات انتخابية.