«اصفع النسويات» برعاية… الدولة!

أثار إعلان إدارة منطقة التل في ريف دمشق عن محاضرة بعنوان «صفعات في وجه النسويات» موجة من السخرية والانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، وأعاد إلى الواجهة النقاش حول الخطاب المعادي للنسوية، وحدود حرية التعبير، ودور المؤسسات الرسمية في إتاحة المنابر للأفكار الموجهة ضد النساء

لم يحتج الإعلان عن محاضرة «صفعات في وجه النسويات» إلى كثير من الوقت حتى يتحول إلى «تريند» على حسابات السوريين. فالفعالية التي أعلنت عنها «إدارة منطقة التل» في المركز الثقافي في المدينة، تحت عنوان تلخيص كتاب يحمل الاسم نفسه، أثارت استغراباً واسعاً، خصوصاً أنها جاءت برعاية جهة رسمية، واستخدمت في الإعلان وصف «لقاء علمي» مع «فضيلة الدكتور» بسام بنيّان، أي إنّ المحاضرة تحمل لغةً دينية في قالب علمي.

وزاد الإعلان من غرابة المشهد تخصيص أماكن للنساء لحضور المحاضرة، التي استُخدمت فيها مفردة «الصفعات» في توصيف المواجهة مع النسويات. وكتب أحد المتابعين ساخراً: «يمكن لازم النساء يتعلموا كاراتيه من هون ورايح»، فيما تساءل ناشط آخر عن حقيقة الإعلان، معتبراً أن عنواناً مثل «صفعات في وجه التسويات والشبيحة» كان أجدر بالطرح، في إشارة إلى قضايا أخرى يرى أنها أكثر إلحاحاً في الواقع السوري.

في المقابل، دافع بعض المعلقين عن حق بنيّان في التعبير عن موقفه، معتبرين أنّ النسوية ليست فكرة مقدسة، وأنّ من حق أي شخص انتقادها بالطريقة التي يراها مناسبة، كما يحق لمناصريها الرد عليه. وفي حال منعهم، يجب الاعتراض لأنه يصبح تقييداً حقيقياً. لكن هذا الدفاع أعاد طرح مسألة الفارق بين نقد تيار فكري والتحريض على النساء المنضويات فيه، وبين حرية التعبير واستخدام مفردات الإهانة والعنف في مواجهة جماعة اجتماعية.

لا ينفصل عنوان المحاضرة عن مواقف سابقة لبنيّان من الحركة النسوية. في نيسان (أبريل) الماضي، قال لصحيفة محلية، خلال احتفال بأربعة من مؤلفاته نظّمه «اتحاد الكتّاب العرب»، إنّ الفكر النسوي القادم من الغرب لا يحترم المرأة، ويهدف إلى تغيير نمط الأسرة المسلمة والقضاء على المجتمع المسلم. وبحسب سيرته التي نشرتها وكالة «سانا»، يحمل بنيّان شهادة الدكتوراه في العلوم الإدارية، ويعمل مديراً لـ «معهد الفاتح الشرعي»، كما أشرف خلال سنوات ما عرف بالثورة على إصدار مجلة «المنطلق الإسلامي»، في إشارة إلى أنه يمثل جمهور السلطة الجديدة في سوريا.

لكن الجدل لا يتعلق بمواقف المحاضر وحدها، بل بالجهة التي اختارت استضافة هذا الخطاب. فالمركز الثقافي في التل مؤسسة عامة، وإعلان إدارة المنطقة عن الفعالية يمنحها غطاءً رسمياً. وتكتسب الواقعة دلالتها في ظل النقاش المتصاعد في سوريا حول موقع النساء في المجال العام، من المظهر واللباس إلى العمل والمشاركة الاجتماعية والسياسية. فقد باتت قضايا النساء جزءاً من سجال أوسع حول شكل المجتمع الذي تتجه إليه البلاد، وحدود الحريات التي ستضمنها المرحلة الجديدة. وفي هذا السياق، تبدو محاضرة «صفعات في وجه النسويات» تعبيراً عن اتجاه يسعى إلى وضع المطالب النسوية في مواجهة الدين والأسرة والمجتمع.

كما أنّ الاعتراض على هذا الخطاب لا يعني تحصين النسوية من النقد أو منع مناقشة أفكارها وتياراتها المختلفة. لكن تحويل النساء المدافعات عن حقوقهن إلى خصم يستحق «الصفع» يخرج النقاش من مساحة الاختلاف الفكري إلى مساحة أكثر إشكالية، خصوصاً حين يصدر عن فعالية تستضيفها مؤسسة عامة.أظهرت التعليقات المتداولة أن المجتمع السوري ليس متفقاً على قراءة واحدة للنسوية أو لحدود حرية التعبير، لكنها كشفت أيضاً عن حساسية متزايدة تجاه الخطاب الذي يستهدف النساء، ويعيد النقاش حول حقوقهن وحريتهن المصانة وفق الدستور.