«ليس في العالم شيء ألين من الماء، ومع ذلك لا شيء يتفوق عليه في التغلب على الصلب والقوي».
(لاوتزو - فيلسوف صيني)..
ينبّه لاوتزو في هذه الحكمة إلى أن الليونة قد تكون وجهًا من وجوه القوة، وأن المرونة تحمل في طياتها سرًا من أسرار البقاء. فالماء، على ما يبدو عليه من لين، يمتلك قدرة عجيبة على التأثير؛ إذ يتخذ شكل الوعاء الذي يحتويه، وينساب عبر الشقوق، ويلتف حول العوائق، ويواصل طريقه. وقد لا تترك قطرة الماء الواحدة أثرًا يُذكر في صخرة صلدة، لكن تتابع القطرات وانسيابها عبر السنين قادر على نحت الصخر وتغيير معالمه. لذا مرونة التغيير مقرونة مع الاستمرارية، قد تتغلب على الصلابة وتتجاوز الجمود.
وفي علوم البيئة والأحياء شواهد كثيرة تعزز هذا المعنى؛ فالكائنات الحية، على اختلاف أحجامها وتنوع بيئاتها، استطاعت الاستمرار عبر أجيال متعاقبة وآلاف السنين بفضل قدرتها على التكيف مع الظروف المحيطة. فالتغيرات البيئية التي قد تبدو تهديدًا لوجود الكائن الحي، قد تفتح أمامه مسارات جديدة للبقاء، متى امتلك من المرونة والقدرة على التغيير بما يعينه على الاستجابة لها. وقد لخّصت مقولة شائعة هذه الفكرة بقولها: «ليس أقوى الأنواع ولا أكثرها ذكاءً هو الذي يبقى، وإنما أكثرها قدرة على التكيف مع التغيير». وهي عبارة تلخص فكرة الانتقاء الطبيعي.
وتمتد هذه الفكرة إلى الشأن الإنساني والحضاري؛ يرى ابن خلدون أن طبيعة التغيير والتحول هما السمتان الثابتتان في هذا الكون؛ فأحوال الأمم، وعوائدها، وأنظمتها الفكرية والمجتمعية لا تبقى على حال، بل هي في انتقال وتغيّر مستمر بمرور الزمن؛ حيث يحذر من الخطأ الخفي الذي يقع فيه الكثيرون حين يُسقطون مقاييس عصرهم الحالي على ظروف الماضي أو تحديات المستقبل، دون الالتفات إلى حتمية تبدل الأعصار وتطور العمران البشري. وذلك بقوله: «ومن الغلط الخفيّ في التاريخ، الذُّهُول عن تبدُّل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدُّل الأعصار ومرور الأيام». والذهول: الغفلة والنسيان. هذا الطرح الإجتماعي يفرض بالضرورة تبني عقلية المرونة الفكرية وتقبّل التغيير كآلية حتمية للبقاء؛ فالجمود على قوالب قديمة ومقاومة التجديد ليسا إلا قصوراً معرفياً يعزل المجتمعات والمؤسسات عن مواكبة عصرها ويحكم عليها بالاندثار، والأمة التي تعجز عن تجديد أدواتها واستيعاب التحولات قد تجد نفسها أسيرة نجاحات ماضيها، عاجزة عن تلبية متطلبات حاضرها.
وفي عالم الإدارة والأعمال، نجد مفهومًا يترجم هذه الفكرة إلى ممارسة عملية، وهو منهج الرشاقة في إدارة المشاريع (Agile)، الذي يقوم على الاستجابة للتغيرات وتطوير العمل بصورة متدرجة، مع مراجعة الخطط والنتائج والاستفادة من الملاحظات المستجدة. فبدلًا من التمسك بالخطة الأولية مهما طرأت من متغيرات، يتيح هذا المنهج إعادة ترتيب الأولويات وتعديل المسار متى ظهرت معطيات جديدة أو برزت وسيلة أكثر كفاءة. وقد أسهم هذا المنهج في تعزيز سرعة الاستجابة، وتحسين النتائج المقدمة.
ولعل وجود إدارات متخصصة في إدارة التغيير داخل كثير من المؤسسات يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية هذه المسألة؛ إذ تتولى التخطيط للتحولات التنظيمية والاستراتيجية، وتهيئة العاملين لاستيعابها، وتوفير ما يلزم من تواصل وتدريب ودعم، فضلًا عن معالجة مقاومة التغيير التي تنشأ غالبًا من الخوف من المجهول أو الاعتياد على المألوف. فالإنسان يميل بطبعه إلى ما ألفه، وقد يجد في تغيير أساليبه تهديدًا لاستقراره، حتى حين تكون الحاجة إلى التغيير واضحة.
وفي عالمنا الذي تتسارع فيه التحولات وتتبدل أدواته ومعطياته بوتيرة متلاحقة، تزداد حاجتنا إلى استحضار حقيقة أن القوة في المواجهة أسلوب قصير المدى قد يحسم بعض المواقف، لكنه لا يصلح وحده لكل الظروف؛ فقد يكون تغيير الأسلوب، أو إعادة ترتيب الأولويات، أو البحث عن مسار بديل، أجدى من الاستمرار في مواجهة تستنزف الموارد وتبدد الجهد. والفكرة الأهم تكمن في أن المرونة ليست دعوة للتخلي عن المبادئ أو التنازل عن الأهداف، وإنما تعني امتلاك القدرة على تغيير الوسائل بما يتناسب مع المستجدات والظروف.
لحظة ختام لهذه الفكرة بقول المتنبي:
كُلَّما أَنْبَتَ الزَّمانُ قَناةً
رَكَّبَ المَرْءُ في القَناةِ سِنانا..
أي: كلما أوجد الزمان تحديات جديدة، أعدّ الإنسان عدته واستكمل أدواته للتكيف مع هذه التحديات بمرونة سلوكية أو ذهنية تمكنه من النجاة والبقاء.