الروايات السعودية.. قفزة الإبداع في «الفن السابع»

تفتح التحولات التي تشهدها صناعة السينما السعودية آفاقًا جديدة أمام الرواية المحلية، والتي تدعمها هيئة الأفلام بالمملكة العربية السعودية في تقديم فكرتها وجذبها المواهب من كتاب الرواية والممثلين والعاملين على الأداء في صناعة الفيلم وتحقق أهداف الرؤية في نقل تجاربنا وأرثنا العميق عبر حكايات على صفحات الكتب إلى فضاء الصورة والحركة والحضور على الشاشة الكبيرة.

مع تنامي الإنتاج السينمائي والاهتمام بالمحتوى المستمد من البيئة السعودية، تتشكل علاقة إبداعية بين الأدب والفن السابع، تطرح أبعادًا ثقافية وفنية تتصل بهوية النص، وقدرته على التحول إلى عمل بصري يحتفظ بعمقه الإنساني ويكتسب أدوات تعبير جديدة.

وتتميز الرواية السعودية بثراء موضوعاتها وتنوع فضاءاتها الجغرافية والاجتماعية، إذ تختزن تحولات المجتمع تفاصيل الحياة اليومية، وتمتد عوالمها من صحارى نجد وجبال الجنوب إلى سواحل الحجاز والمنطقة الشرقية وقرى الشمال ومدنه. ويمنح هذا التنوع صُنّاع السينما مخزونًا سرديًا غنيًا بالشخصيات والأحداث والبيئات والقصص الشفهية. حيث تتيح هذه القفزة تقديم تجارب بصرية تعكس خصوصية المكان والإنسان، وتعيد قراءة الذاكرة السعودية من خلال لغة الصورة.

وتتجاوز عملية تحويل الرواية إلى فيلم نقل الأحداث والشخصيات من وسيط إلى آخر فهي إعادة بناء للعمل الأدبي وفق رؤية سينمائية مستقلة. فالرواية تمنح الكاتب مساحة واسعة لاستبطان الشخصيات واستعادة الذاكرة والتوسع في الوصف والتأمل، بينما تعتمد السينما على الصورة والحركة والصوت والإيقاع الدرامي. ومن هنا تبرز صعوبة الاقتباس في ترجمة التجربة الداخلية للشخصيات إلى مشاهد مرئية، تحافظ على أبعاد الحكاية النفسية والفكرية، وتمنحها في الوقت نفسه خصوصية فنية مختلفة.

وقد مثّل فيلم «حوجن»، المقتبس من رواية الكاتب السعودي إبراهيم عباس، إحدى التجارب البارزة في انتقال السرد المحلي إلى الشاشة، بعد اختياره لافتتاح الدورة الثالثة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي عام 2023. واستثمر الفيلم، الذي أخرجه ياسر الياسري، عناصر الفانتازيا المستمدة من الموروث العربي، وقدم عالمًا تخييليًا تتداخل فيه حياة البشر مع عالم الجن، ضمن أحداث تدور في مدينة جدة. وأظهرت هذه التجربة إمكانية تحويل الخيال الروائي السعودي إلى عمل سينمائي يستفيد من المؤثرات البصرية، مع الاحتفاظ بصلته بالبيئة الثقافية التي نشأ فيها النص.

وفي امتداد لهذا المسار، يبرز فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية الكاتب السعودي أسامة المسلم، والذي تولت إخراجه هناء العمير، وكتب المسلم بنفسه السيناريو السينمائي. ووفق المواعيد المعلنة، من المقرر أن يشهد الفيلم عرضه العالمي الأول ضمن الدورة السابعة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في «13 نوفمبر 2026»، قبل طرحه في دور السينما السعودية في «19 نوفمبر». وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة من مشاركة الروائي في إعادة صياغة عمله للشاشة، بما يفتح مجالًا للتأمل في طبيعة العلاقة بين المؤلف والمخرج، ومدى قدرة الكاتب على إعادة النظر في نصه وفق متطلبات التعبير السينمائي.

ويمتد اهتمام الجهات الإنتاجية بالأعمال الروائية السعودية إلى مشروعات أخرى، إذ أعلنت استوديوهات MBC خلال مايو 2026 خططها لإنتاج فيلم مقتبس من رواية «شبكة العنكبوت» لأسامة المسلم، إلى جانب مشروع مسلسل تلفزيوني مستمد من روايته «خوف». وتعكس هذه المشروعات توجهًا نحو الاستفادة من الرصيد الأدبي للكتّاب السعوديين، مع أهمية التمييز بين الأعمال التي اكتمل إنتاجها وتلك التي لا تزال ضمن الخطط المعلنة أو مراحل التطوير.

ولا يقتصر هذا الحراك على شركات الإنتاج، فقد أعلنت جمعية الأدب المهنية عام 2025 اختيار ثلاث روايات سعودية لتحويلها إلى سيناريوهات سينمائية قابلة للإنتاج، وهي «ابنة ليليت» لأحمد السماري، و«وجوه الحوش» لحسين علي حسين، و«الحفائر حفرة الجبل» لخالد النمازي. وتعكس المبادرة اهتمامًا مؤسسيًا بتوسيع حضور الأدب السعودي في الصناعة السينمائية، وتؤكد أهمية بناء قنوات للتعاون بين الروائيين وكتّاب السيناريو والمنتجين، بما يمنح الأعمال الأدبية فرصًا جديدة للتطوير.

غير أن المسافة بين اختيار الرواية للمعالجة السينمائية ووصولها إلى شاشة العرض تظل محكومة بتحديات إبداعية وإنتاجية؛ فامتلاك النص الأدبي لمقومات السرد الناجح لا يضمن تحوله إلى فيلم قابل للتنفيذ. وتبرز هنا الحاجة إلى آليات تربط المؤسسات الأدبية بشركات الإنتاج، وتتيح للمشروعات المختارة الانتقال من مرحلة إعداد السيناريو إلى التمويل والتصوير والتوزيع. كما يظل تنوع الروايات المرشحة للاقتباس عاملًا مهمًا في توسيع التجربة السينمائية، حتى لا ينحصر الاهتمام في الأعمال القائمة على الفانتازيا والتشويق دون غيرها من الاتجاهات السردية.

وتعد كتابة السيناريو من أكثر مراحل الاقتباس تعقيدًا؛ فالرواية قد تمتد إلى مئات الصفحات، وتتوزع أحداثها بين أزمنة متعددة وشخصيات متشابكة، بينما يفرض الفيلم زمنًا محدودًا وبناءً دراميًا أكثر تكثيفًا. وتبرز مهارة كاتب السيناريو في اختيار الأحداث الأساسية وإعادة ترتيب المشاهد واختزال التفاصيل التي لا تخدم المسار الدرامي، مع المحافظة على الفكرة المركزية التي تمنح العمل هويته. وقد تختصر نظرة واحدة مشاعر الخوف التي يصفها الروائي في صفحات، فيما تستحضر لقطة لمكان قديم ذاكرة كاملة من الحنين والفقد، وهي قدرة تعبيرية تمنح الصورة السينمائية خصوصيتها.

كما يمثل اختيار الممثلين وإعادة بناء البيئات المكانية تحديًا فنيًا آخر، خصوصًا في الروايات التي تستند إلى تفاصيل اجتماعية وتاريخية دقيقة. فالشخصيات التي تشكلت ملامحها في مخيلة القراء تكتسب وجوهًا وأصواتًا وحضورًا ملموسًا، وقد تختلف الصورة السينمائية عن التصورات التي حملها الجمهور أثناء القراءة. وتتطلب الأعمال المرتبطة بالبيئة السعودية عناية باللهجات المحلية والأزياء والعمارة والعادات والتقاليد، بما يجعل المكان عنصرًا فاعلًا في السرد البصري، ويمنح المشاهد فرصة للتعرف على أبعاد ثقافية قد لا تظهر في الحوار والأحداث وحدها.

وفي المقابل، تبرز أهمية الجوانب الإنتاجية والحقوقية التي تحكم العلاقة بين الروائي وصُنّاع السينما؛ فالحصول على حقوق الاقتباس، وتحديد صلاحيات التصرف في النص، وطبيعة مشاركة المؤلف في المعالجة السينمائية، تمثل مسائل أساسية لضمان حقوق الأطراف المعنية. كما أن القيمة الأدبية للرواية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لضمان نجاح تحويلها إلى فيلم، إذ يتطلب الإنتاج دراسة الإمكانات الفنية والميزانية والجمهور المستهدف ومدى ملاءمة البناء الروائي للمعالجة البصرية.

وتفتح هذه التحولات مجالًا للنقد الثقافي والسينمائي، خصوصًا فيما يتعلق بمعايير تقييم الأعمال المقتبسة. فقد ينجح الفيلم فنيًا رغم اختلافه عن بعض تفاصيل الرواية، وقد يتعثر رغم التزامه بالأحداث الأصلية. وتكمن المسألة في قدرة المخرج على فهم العالم الذي بناه الروائي وإعادة تشكيله بما يتلاءم مع طبيعة السينما، دون إفراغ الشخصيات من تعقيدها أو اختزال القضايا الإنسانية والاجتماعية التي يحملها النص. فالأمانة للعمل الأدبي لا تعني التقيد الحرفي بتفاصيله، وإنما إدراك معانيه وإعادة تقديمها بوسائل فنية قادرة على التأثير.

ومن شأن التوسع في الاقتباس السينمائي أن ينعكس أيضًا على حركة القراءة والنشر؛ إذ قد يدفع الفيلم بعض المشاهدين إلى العودة للرواية الأصلية والمقارنة بين التجربتين واكتشاف أعمال أخرى للكاتب. وفي الاتجاه المقابل، يمكن للحضور الجماهيري للرواية أن يمنح الفيلم قاعدة أولية من المتابعين، ما يخلق علاقة تبادلية بين الكتاب والشاشة، ويفتح فرصًا جديدة للتعريف بالأدب السعودي داخل المملكة وخارجها.

ومع ما تمتلكه الرواية السعودية من تنوع في التجارب والأساليب والقضايا، فإن توسيع حضورها السينمائي يحتاج إلى عمل مؤسسي يتجاوز اختيار النصوص إلى تطوير السيناريوهات وإعداد الكفاءات المتخصصة وبناء شراكات مستدامة بين الأدباء والمنتجين والمخرجين. كما يتطلب الاهتمام بالروايات التي تتناول التاريخ والذاكرة والتحولات الاجتماعية والعمق النفسي للشخصيات، بما يتيح للسينما الاستفادة من مختلف المسارات السردية في الأدب المحلي.

وبين صفحة الكاتب وشاشة العرض، تتجدد حكاية الرواية السعودية عبر لغة أخرى، تتسع فيها الشخصيات وتكتسب الأمكنة ملامحها البصرية. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التحول تتجاوز عدد الروايات التي تصل إلى السينما، لتتصل بقدرة الفيلم على إعادة اكتشاف النص وإثرائه دون إفقاده هويته. فنجاح الاقتباس لا يُقاس بمقدار وفائه لتفاصيل الرواية وحدها، بل بما يضيفه إلى التجربة الإنسانية والفنية، وبقدرته على أن يمنح الحكاية حياة جديدة تستحق المشاهدة كما استحقت القراءة.

أضواء بدر وباسل الصلي نجوم فليم جحيم العابرين