بعد أسابيع من جلسات الاستماع المتوترة والمذكرات القضائية التي قُدِّمت في أوقات متأخرة من الليل، أصدر قاضٍ فيدرالي قراراً بوقف مؤقت يمنع إدارة ترامب من إجراء أي تعديلات إضافية على «إيست بوتوماك بارك» (East Potomac Park) -وهو ملعب غولف بلدي في العاصمة واشنطن- حيث يسعى الرئيس إلى تحويله إلى منشأة تضاهي ملاعب البطولات الكبرى.وقد تصاعدت حدة النزاع القانوني -الذي كان يختمر منذ فترة طويلة- خلال الأسابيع الأخيرة، وذلك بعد أن قامت الحكومة بقطع 430 شجرة في ملعب الغولف دون سابق إنذار كافٍ (أقل من يوم واحد).أدى ذلك إلى عقد جلستي استماع مطولتين اتسمتا أحياناً بالحدة، حيث أصر المسؤولون الحكوميون مراراً على أن إزالة الأشجار لا علاقة لها بأعمال التجديد التي روج لها الرئيس ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي. بل إنهم ناقضوا ما نشره الرئيس نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي في صباح ذلك اليوم، زاعمين أنه لا توجد أصلاً خطة نهائية لتلك التجديدات.**media[8209044]**«رئيس كاذب»وكتبت القاضية الفيدرالية «آنا رييس» في حيثيات حكمها المكون من 70 صفحة: «نادراً -إن لم يكن من المستحيل- أن تطلب وزارة العدل الأمريكية من محكمة فيدرالية ألا تصدق الرئيس الحالي للبلاد؛ ومع ذلك، ها نحن أمام هذا الموقف».وقد مددت القاضية رييس قراراً -كان في الأصل مؤقتاً لمدة أسبوعين- يمنع إزالة الأشجار، وأمرت الحكومة بعدم قطع أي أشجار في «إيست بوتوماك بارك»، أو تقليمها بشكل جوهري، أو إلحاق أي ضرر بها، إلا بموجب أمر قضائي. كما ألزمت الحكومة بتقديم «إشعار كتابي مسبق قبل عشرة أيام عمل على الأقل» في حال الرغبة في إغلاق أي جزء من الحديقة أو إجراء أي «تعديلات لا يمكن التراجع عنها» فيها، وذلك طالما ظل النزاع القانوني قائماً.وكتبت القاضية رييس: «بإصدار هذا الأمر القضائي الأولي، لا تنهي المحكمة الجولة؛ بل هي ببساطة تضع علامة، حتى يتمكن الطرفان من خوض التقاضي بشكل كامل وعادل في هذه القضية».انتصار لحفظ التراثويُعدُّ الحكم الصادر يوم الاثنين انتصاراً لـ «رابطة الحفاظ على التراث في العاصمة واشنطن» واثنين من لاعبي الغولف المحليين الذين رفعوا دعوى قضائية في وقت سابق من هذا العام لمنع أعمال التجديد. كما يمثل انتصاراً للحراك الشعبي المتنامي الذي يهدف إلى حماية هذا الملعب البلدي والمنطقة الترفيهية المحيطة به، وهي منطقة تحظى بشعبية كبيرة لدى العدائين، وراكبي الدراجات، ومراقبي الطيور، وغيرهم من رواد المكان.**media[8209041]**قالت سكاي بيريمن، رئيسة منظمة «ديموكراسي فورورد» غير الربحية التي تمثل المدعين: «نحن ممتنون لتدخل المحكمة من أجل وضع حد لجشع إدارة ترامب-فانس وتصرفاتها الخارجة عن القانون، وذلك في الوقت الذي لا تزال فيه القضية قيد النظر؛ ونحن نتطلع بشغف لطرح حججنا أمام المحكمة».موقف ترامب وفي منشور على منصة «تروث سوشيال» في وقت متأخر من يوم الاثنين، ذكر ترامب أن وزارة الداخلية ستستأنف الحكم.كما أكد ترامب مجدداً على إعلانه السابق بأن أعمال البناء ستبدأ في 15 نوفمبر، مما سيؤدي إلى إغلاق الحديقة لمدة 15 شهراً، مضيفاً أن «القاضية لا تملك على الإطلاق أي حق في عرقلة هذا المشروع المهم والجميل للغاية».وكتب ترامب: «إن إلزامنا بتقديم إخطارات مسبقة لقاضية لا تملك أي خبرة في رياضة الغولف، أو الهندسة المعمارية، أو تنسيق الحدائق، أو البناء، أو أي شيء يتعلق بتنفيذ مشروع عالمي المستوى كهذا، هو أمر غير عادل وغير ملائم وغير دستوري».تحذيرات متكررة ومن جانبها، صرحت القاضية رييس بأنها لا تسعى للتدخل في شؤون تنسيق الحدائق التي تقوم بها الحكومة الفيدرالية.ولهذا السبب -كما أوضحت في رأيها القضائي الصادر يوم الاثنين- فقد رفضت مراراً التدخل في القضية، واكتفت بدلاً من ذلك بتوجيه تحذيرات متكررة ضد إجراء أي تغييرات جوهرية دون إعلان مسبق، وذلك حتى «قامت الحكومة بما كانت قد أكدت للجميع أنها لن تفعله».وختمت القاضية رييس قائلة: «لقد ذكرت المحكمة سابقاً: 'أنا لست شخصية»لوراكس«(حامية الأشجار)؛ فأنا لا أتحدث نيابة عن الأشجار'. والمحكمة لا تتحدث نيابة عن الأشجار، بل تتحدث فقط باسم سيادة القانون».منشور ترامب وفي ظهيرة يوم الثلاثاء، أدرجت القاضية رييس منشور ترامب ضمن سجل القضية، ومنحت الحكومة مهلة تقارب 24 ساعة لتوضيح ما إذا كانت هناك خطة لإغلاق منطقة «إيست بوتوماك» في منتصف نوفمبر، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن «التوفيق بين ذلك» وبين ما ذكره محامو الحكومة أمام المحكمة سابقاً. كما أشارت إلى أنها ستحدد موعداً لجلسة استماع لمتابعة تطورات القضية، إما يوم الجمعة أو يوم الاثنين.وقد انتقدت القاضية التناقضات في موقف الحكومة.جلسة استماع 7 ساعاتوجاء الرأي القضائي الذي صاغته رييس بلهجة حازمة بعد أسبوع بالضبط من جلسة استماع استمرت سبع ساعات، شهدت مواجهات متكررة بينها وبين محامي الحكومة. كانت قد رفضت بالفعل طلب الإدارة بتنحيها عن القضية بدعوى وجود تحيز من جانبها.وقد تضمنت جلسة الاستماع التي عُقدت الأسبوع الماضي شهادات مشفوعة بقسم أدلى بها عدد من المسؤولين في وزارة الداخلية وإدارة المتنزهات الوطنية، بهدف تقديم توضيح أكثر شمولاً حول أسباب عملية إزالة الأشجار المثيرة للجدل والغرض منها. غير أن هذه الجلسة أثارت تساؤلات أوسع حول ما إذا كانت الإدارة قد ضللت المحكمة والرأي العام بشأن نواياها المتعلقة بملعب الجولف.**media[8209043]**وكتبت رييس يوم الاثنين: «بدأت هذه القضية كنزاع حول الجولف -أو ما يُوصف بـ 'إفساد جولة ممتعة'- لكنها تحولت إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فهي تضع المحكمة الآن أمام ضرورة التوفيق بين تصريحات الرئيس دونالد جيه ترامب، وبين الشهادات المشفوعة بقسم التي أدلى بها العديد من الموظفين الحكوميين، والحجج التي قدمها كبار المحامين في وزارة العدل».تناقضات الإدارةويركز جزء كبير من رأي القاضية رييس على الفجوة بين ما صرح به ترامب علناً وما قدمته إدارته للمحكمة.ومن أبرز هذه الأمثلة: ما نشره ترامب عبر الإنترنت في صباح يوم جلسة الاستماع التي عُقدت الأسبوع الماضي، ذُكر أن العمل في ملعب الجولف سيبدأ «على الفور». لكن بعد ساعات، وفي قاعة المحكمة، صرّح مسؤولون في الإدارة -في شهادات أدلوا بها تحت القَسَم- بأنهم ليسوا على علم بوجود أي خطة نهائية.وبعد الربط بين الجداول الزمنية والشهادات، خلصت «رييس» إلى تأييد وجهة نظر المدعين، مشيرة إلى أنه يبدو بالفعل وجود خطة لتجديد ملعب الجولف (يُطلقون عليها اسم «خطة واشنطن الوطنية»)، وذلك على الرغم من النفي المتكرر من جانب الإدارة.وكتب «رييس»: «صحيح أن المحكمة لا تستطيع تحديد التاريخ الدقيق الذي أصبحت فيه الخطة نهائية، لكنها تجزم -دون أدنى تردد- بأن ذلك قد حدث في وقت ما قبل تاريخ 15 أكتوبر 2026 بفترة كافية».تقرير 2019 لا تقبل «رييس» تفسير الحكومة بأنها أزالت مئات الأشجار السليمة -التي لا تُعد من الأنواع الغازية- في غضون فترة زمنية قصيرة للغاية، بذريعة تنفيذ توصيات تتعلق بالغطاء النباتي وردت في تقرير صادر عن «إدارة المتنزهات الوطنية» عام 2019 (علماً بأن التوصيات الأخرى الواردة في التقرير نفسه، بما في ذلك تلك المتعلقة بملعبي غولف بلديين آخرين في المدينة، ظلت دون تنفيذ إلى حد كبير على مدى السنوات السبع الماضية). وقد وصفت «رييس» هذا التبرير بأنه «مجرد ذريعة».كما شككت «رييس» بشكل خاص في مصداقية أحد الشهود، وهو «غريغوري ويشر» -نائب رئيس الموظفين في وزارة الداخلية- الذي التُقطت له صورة وهو يحمل مخططات أولية ملفوفة، بينما كان يرافق «ترامب» ومصمم ملاعب الغولف «توم فازيو» في جولة داخل منطقة «إيست بوتوماك» في يونيو/حزيران الماضي.وكتبت «رييس»: «ومع ذلك، يزعم 'ويشر' -بصفته نائباً لرئيس الموظفين لدى وزير الداخلية- أنه أصبح مهتماً فجأة وبشكل عفوي بإدارة الأشجار والغطاء النباتي؛ وذلك في منتصف شهر سبتمبر/أيلول، وفي ملعب 'إيست بوتوماك' للغولف تحديداً».وأشارت «رييس» إلى أن الحكومة «لم تقدم أي دحض واقعي مقنع». وفي مرحلة ما، اتهمت الإدارةُ المدعين بأنهم يبنون ادعاءاتهم على مجرد «حفنة من التغريدات»، وهو ما ردت عليه «رييس» بحزم في قرارها الصادر يوم الاثنين.وكتبت قائلة: «هذه 'الحفنة من التغريدات' ليست شكاوى حول خسارة فريق 'ريد سوكس' لتقدمه في الشوط التاسع من إحدى المباريات، بل هي تصريحات صادرة عن رئيس الولايات المتحدة ووزير الداخلية، تتعلق بإجراءات تقع ضمن نطاق صلاحياتهما». وأضافت: «وتؤكد هذه المنشورات، بعبارات لا لبس فيها، وجود خطة وأن أعمال البناء ستبدأ قريباً؛ بل إن أحدها يتضمن مخططاً نهائياً لإعادة تصميم الملعب».ما الخطوة التالية بالنسبة لـ «إيست بوتوماك»؟صرح «ترامب» -حتى مساء الاثنين- بأنه يعتقد أن أعمال التجديد لا تتطلب الحصول على موافقات. لكن، كما أوضحت «رييس» في قرارها، فقد أقر مسؤولون في الإدارة -خلال جلسة استماع عُقدت في يوليو/تموز- بأن أي عمليات تجديد كبرى ستتطلب مراجعات فيدرالية تتعلق بالبيئة والحفاظ على المواقع التاريخية.ومع ذلك، قدم محامو الإدارة الأسبوع الماضي «حجة بديلة» مفادها أن أعمال التجديد هذه لا تخضع أصلاً للمراجعة بموجب «قانون الإجراءات الإدارية».وعلقت «رييس» على ذلك قائلة: «الأمر أشبه بأسلوب شخصية 'إميلي ليتيلا' (من برنامج 'ساترداي نايت لايف') التي تتراجع دائماً عما قالته سابقاً، وكأنهم يقولون: 'لا يهم ما قلناه سابقاً!'» «لكن لا يمكن للأطراف تغيير مسارها متى وكيفما تقتضي مصلحتها وفقاً للأدلة... وعليه، فإن المحكمة لا تعتد بهذا الطرح الجديد».يزعم المدعون في القضية أن الحكومة تتعمد التعامل مع أعمال تجديد ملعب الجولف كـ «مشاريع صغيرة» — مثل التخلص من الأنقاض الناتجة عن هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض العام الماضي، أو قطع مئات الأشجار هذا الشهر — وذلك بهدف تجنب إجراء التقييمات البيئية التي يفرضها القانون الفيدرالي.ويبدو أن هذا الطرح قد لاقى قبولاً لدى القاضي رييس، الذي أشار إلى أن وزارة الداخلية ربما انتهكت «قانون حماية البيئة الوطني» من خلال «تجزئة مراجعتها للآثار البيئية للخطة بشكل غير مسموح به».وقد يؤدي الحكم الصادر يوم الاثنين — وما تبعه من إعلان الإدارة عن نيتها الاستئناف — إلى إبطاء هذه العملية بشكل أكبر. وكان ترامب قد صرّح عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن العمل «يجب أن يبدأ فوراً، إذا أُريد إنجازه في الوقت المناسب ووفقاً للموسم».ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات كثيرة حول الشكل النهائي للمشروع.فعاليات كبرى فالتصور الذي شاركه ترامب في وقت سابق من هذا الشهر يُظهر دمج ملاعب الجولف الثلاثة — المخصصة لمستويات مهارة متفاوتة — في ملعب واحد يمتد ليشغل شبه الجزيرة بأكملها؛ وهو ما يعني على ما يبدو إلغاء الطريق المحيطي الذي يستخدمه العداؤون وراكبو الدراجات يومياً، ويثير مخاوف بشأن ما إذا كان هذا الملعب، الذي كان متاحاً بتكلفة معقولة تاريخياً، سيصبح أقل سهولة في الوصول إليه مستقبلاً.وقد أكد ترامب يوم الاثنين أن الملعب بعد تطويره سيكون مؤهلاً لاستضافة فعاليات كبرى مثل بطولة «بي جي إيه» وكأس «رايدر»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه سيظل «مفتوحاً للجمهور، مع توفير أسعار مخفضة للمقيمين في العاصمة واشنطن».ويُعد هذا المشروع واحداً من مساعٍ عديدة يسعى ترامب من خلالها لترك بصمته في العاصمة الأمريكية؛ بدءاً من بناء قاعة احتفالات في البيت الأبيض، ووضع اسمه على مركز كينيدي للفنون، وصولاً إلى الدفع بمخططات لإنشاء قوس نصر بالقرب من مقبرة أرلينغتون الوطنية.