لعل أهم ما يواجه النظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع، بعد سقوط النظام السابق، هو استعادة وحدة الجغرافيا السورية التي تصدعت منذ بداية الحرب الأهلية عام 2011 والتي أدت إلى شرخ بين مكوناتها الوطنية وخروج مناطق واسعة عن السلطة المركزية، ما أدى إلى تدخلات إقليمية وخارجية ورهانات على الخارج أدت إلى خلق بؤر عسكرية في شمال شرق سوريا وجنوبها وشمالها.كان على النظام السوري الجديد من أجل توطيد سلطته لملمة هذا الشتات في بوتقة وطنية واحدة، وتحت سلطة سياسية واحدة، لحماية سوريا من التفكك والحفاظ على وحدة الأرض والشعب.كانت المهمة صعبة، نظراً لعمق الخلافات مع قوى الأمر الواقع التي كانت تطرح مطالب تتراوح بين الحكم الذاتي والاستقلال والحقوق السياسية والثقافية، وخصوصاً مع المكّون الكردي المتمثل في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومع مكّون الموحدين الدروز في جبل العرب، وتحديداً بعد بروز أحد زعماء الطائفة وهو حكمت الهجري الذي ذهب بعيداً في مطالبه بالدعوة إلى الاستقلال، والتماهي مع الرؤية الإسرائيلية بإعلانه أن الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل تاريخياً وعقائدياً»، من دون أن يوضح الأساس السياسي والديني لهذا الادعاء، لكنه يكشف عن مخطط خطِر يبدو أنه قيد الإعداد بحديثه عن «تطورات مرتقبة خلال أيام».المهم أن بؤرة عسكرية تم إخمادها، بإعلان قائد قوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد) فرهاد عبدي شاهين (مظلوم عبدي) حل هذه القوات كقوة عسكرية مستقلة، بما فيها الإدارة الذاتية، وكافة التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية المدنية والعسكرية، وبذلك تم طي صفحة من صفحات الانقسام و11 عاماً من «التمرد الكردي»، والعودة إلى حضن الوطن، على أن يتم استكمال تسليم جميع حقول وآبار النفط في محافظة الحسكة بشكل كامل إلى الحكومة السورية في العاشر من سبتمبر/أيلول المقبل.يمثل قرار «قسد» التخلي عن الثياب العسكرية (الكاكي) والعودة إلى الحياة المدنية العادية انتصاراً لمنطق الدولة، وتتويجاً لمسار الدمج الذي انطلق قبل أشهر وتخللته بعض العقبات التي تم التغلب عليها.قال عبدي بعد لقائه الرئيس الشرع يوم الأربعاء الماضي بحضور المسؤولة البارزة في قوات (قسد) الهام أحمد، وسيبان حمو القيادي العسكري ومعاون وزير الدفاع في المنطقة الشرقية (كلهم كانوا يرتدون الملابس المدنية): «الظروف تغيرت اليوم ودخلت البلاد مرحلة جديدة عنوانها السلام والمشاركة في بناء سوريا الجديدة».هذا الكلام لم يكن ليصدر لولا أن «الظروف تغيرت فعلاً» ليس بالنسبة لقوات «قسد» فقط، إنما بالنسبة لسوريا الجديدة التي تخطو بثبات نحو استعادة وحدتها الترابية ودورها العربي، على أمل استكمال الخطوات التوحيدية على مجمل الجغرافية السورية، والتخلص من «بؤر الانفصال»، وخصوصاً في جبل العرب، حيث الأيادي الإسرائيلية لا تزال تعبث هناك بالتوازي مع الاعتداءات اليومية على قرى وبلدات الجولان المحتل ومحافظة درعا، والانتهاك السافر للأراضي السورية المحتلة الذي يمارسه قادة الاحتلال.