قرامطة العصر – خالد الأنصاري

ليست خطورةُ الميليشيات الحوثية في اليمن مقصورةً فقط على انقلابها المسلح على الدولة، ولا على استيلائها على مؤسساتها ومقدراتها؛ بل تتجاوز ذلك إلى مشروعٍ عقدي وسياسي وعسكري، يهدد هوية اليمن، وأمن الجزيرة العربية، ويجعل من أرض اليمن قاعدةً متقدمةً لتنفيذ أجنداتٍ إقليمية، لا تراعي حرمةَ دين، ولا حقَّ جوار، ولا سيادةَ وطن.

وحين نطلق على هذه الميليشيات وصف «قرامطة العصر» فليس المراد التسوية التاريخية الكاملة بين جماعتين اختلفتا زمانًا وتكوينًا؛ وإنما الإشارة إلى وجهٍ ظاهر من الشبه وهو: توظيف الحوثيين الشعارات الدينية لتسويغ العنف والإرهاب، واستباحة الدماء، وقتل الأنفس البريئة بغير حق، وتهديد أمن الحرمين الشريفين، وتحويل المقدسات إلى أوراق ضغط في صراعٍ سياسي ومذهبي.

لقد دوَّن التاريخ جريمة القرامطة حين اقتحموا مكة المكرمة سنة 317هـ، وقتلوا الحجيج في رحاب البيت الحرام، واقتلعوا الحجر الأسود وحملوه بعيدًا؛ فغدت فعلتهم شاهدًا خالدًا على أن الشعارات المذهبية، لا تعصم أصحابها من الانحراف؛ إذا نزعت من قلوبهم حرمة الدماء والمقدسات.

وعلى هذا الطريق المظلم يسير كلُّ من يجرؤ على تهديد بلد الله الحرام، أو تعريض قاصديه وساكنيه للخطر.

ولم تنشأ الميليشيات الحوثية بوصفها حركةً سياسية وطنية، تتنافس بوسائل مشروعة، وإنما تحولت إلى تنظيمٍ مسلح فرض سلطته بالقوة، وانقلب على مؤسسات الدولة، واقتحم العاصمة صنعاء، واستولى على السلاح والمعسكرات، ثم وجَّه مقدرات اليمن إلى حربٍ داخلية، مزقت نسيجه الاجتماعي، وعمَّقت مأساته الإنسانية.

ومن أخطر سمات هذا المشروع قيامه على منطق الجماعة فوق الدولة، والسلالة فوق المواطنة، والسلاح فوق القانون؛ فلا يستقيم وطنٌ تكون فيه سلطة الميليشيا أقوى من سلطة الدولة، ولا يُرجى استقرارٌ في ظل تنظيمٍ يحتكر القوة ويقصي مخالفيه، ويستثمر الفقر والجهل والحاجة في تجنيد الأتباع وإطالة أمد الصراع.

واليمن بلدٌ عربي عريق، له تاريخه وحضارته وعلماؤه وقبائله، وليس ساحةً مستباحةً للمشروعات الأجنبية، ولا منصةً لتهديد جيرانه.

ولذلك فإن مقاومة الانقلاب الحوثي ليست دفاعًا عن حكومة أو طرف سياسي فقط؛ بل هي دفاعٌ عن هوية اليمن وسيادته، وعن حق شعبه في دولةٍ تحفظ وحدته وتصون كرامته.

وتكشف طبيعة التسليح الحوثي، وما تمتلكه هذه الجماعة من ترسانة حربية؛ وصواريخ باليستية، وطائرات مسيَّرة، وتقنيات عسكرية متقدمة، عن صلاتٍ تتجاوز القدرات المحلية لتنظيم مسلح داخل بلدٍ أنهكته الحرب.

وقد وثقت تقارير وتصريحات دولية صورًا متعددة من الدعم الإيراني للحوثيين؛ الأمر الذي جعل الجماعة ذراعًا عسكريةً ضمن شبكة نفوذ إقليمية تستخدم الوكلاء لاستنزاف الدول وتهديد أمنها مع تقليل كلفة المواجهة المباشرة.

ومن هنا يصح وصف هذه الميليشيات الإرهابية بأنها أذنابٌ لمشروعٍ خارجي؛ وأنهم «قرامطة العصر» لأنها قدّمت مصالح ذلك المشروع على مصلحة اليمن، وحوّلت أراضيه إلى مخازن للسلاح؛ ومنصات لإطلاق الصواريخ، وربطت قراره الوطني بحساباتٍ وصراعات تتجاوز حدوده.

وبذلك أصبح اليمني يدفع من دمه وأمنه واقتصاده ثمنًا لأهدافٍ لم يخترها، ولا تعود عليه بخير.

فالولاء للوطن لا يكون بتدميره، والسيادة لا تُصان باستقبال السلاح والخبراء من الخارج، ونصرة اليمن لا تتحقق بتحويل مدنه وقراه إلى ميادين حرب، وموانئه وسواحله إلى أدوات ابتزاز سياسي وعسكري.

وقد بلغت خطورة هذا المشروع الحوثي ذروتها؛ حين امتدت تهديداته إلى بلاد الحرمين الشريفين؛ تجاه مكة المكرمة، مهوى أفئدة المسلمين وقبلتهم.

ففي 27 محرم 1438هـ - 30 أكتوبر2016م تم اعتراض صاروخ أُطلق من الأراضي اليمنية على بُعد نحو خمسةٍ وستين كيلومترًا من مكة المكرمة.

وفي 4 ربيع الثاني 1448هـ - 15 سبتمبر 2026م أيضًا تم اعتراض طائرة مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال المحظور حول الحرم المكي الشريف، وكذلك محاولاتهم في استهداف المسجد النبوي الشريف؛ فإن توجيه أدوات القتل إلى محيط الحرمين الشريفين وتعريض آمنيه لأي احتمال يمثل تجاوزًا بالغ الخطورة واعتداءً على السيادة السعودية ومشاعر المسلمين جميعًا.

وقد قال الله عزوجل: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج: 25].

فإذا كان الوعيد يتناول مجرد إرادة الإلحاد والظلم في الحرم، فكيف بمن يطلق المقذوفات في جهته، ويهدد أمن أهله وضيوف الرحمن؟ إن حرمة مكة ليست شأنًا سياسيًّا خاضعًا للمساومة، بل هي حرمةٌ شرعية؛ تتعلق بعقيدة أكثر من ملياري مسلم، وأي تهديد لها يكشف سقوط صاحبه أخلاقيًّا ودينيًّا؛ مهما رفع من الشعارات.

كما استهدفت صواريخهم وطائراتهم المسيَّرة؛ بعض المدن والمنشآت المدنية والاقتصادية في المملكة، في نمطٍ لا يميز بين ميدانٍ عسكري ومدينةٍ آمنة.

وفي شاهدٍ جديد على إجرام ميليشيات الحوثي واستخفافها بحرمة الدماء وأمن المقدسات، أطلقت الميليشيا إحدى طائراتها المسيرة يوم الخميس 6 ربيع الثاني 1448هـ - 17 سبتمبر 2026م وتم رصدها باتجاه محافظة الطائف شرقي مكة المكرمة؛ فجرى اعتراضها وتدميرها، غير أن شظاياها المتساقطة تسببت في وفاة مقيمٍ يمني؛ ويا لها من مفارقةٍ دامغة: تزعم هذه الجماعة «قرامطة العصر» نصرة اليمنيين، ثم تمتد نيران عدوانها لتسفك دم مواطن يمنيٍّ آمن؛ في صورة تكشف زيف شعاراتها، وتؤكد أن مشروعها لا يحمل للأمة إلا الخراب والموت.

وفي حدث جديد آخر يوم السبت 13 جمادى الأولى 1448هـ الموافق 24 أكتوبر 2026م، أعلن الدفاع المدني السعودي عن سقوط شظايا صواريخ حوثية في مكة والمدينة المنورة.

وهذه الهجمات ليست مجرد عمليات عابرة؛ بل إستراتيجية ابتزاز تقوم على نشر الخوف، وتهديد المدنيين، والإضرار بمصالح الشعوب، وجر المنطقة إلى صراعٍ أوسع.

إن مواجهة «قرامطة العصر» الحوثيين لا تقتصر على إسقاط الصواريخ والطائرات المسيَّرة، على أهمية ذلك وضرورته، بل تستلزم مواجهةً شاملةً تكشف حقيقة مشروعهم، وتحاصر خطابهم الطائفي، وتدعم الدولة اليمنية ومؤسساتها، وتحمي الأجيال من التعبئة السلالية والفكر المتطرف.

كما تقتضي دعم الشعب اليمني في استعادة دولته، وتمكين قواه الوطنية المخلصة، وتجفيف منابع تهريب السلاح والتمويل، وفرض موقفٍ دولي حازم تجاه تهديد المدنيين والمقدسات الإسلامية.

فالسكوت عن الميليشيات الإرهابية لا يصنع سلامًا، والتهاون مع مشروعها لا يورث إلا مزيدًا من التوسع والابتزاز.

والمملكة العربية السعودية، وهي تتصدى لهذه الأخطار، لا تحمي حدودها ومدنها فقط؛ بل تقوم بمسؤولية عظيمة في حماية الحرمين الشريفين وقاصديهما، وصيانة أمن الجزيرة العربية، والدفاع عن استقرار المنطقة.

وقد أثبتت دفاعاتها -بفضل الله- قدرتها على إحباط كثير من الاعتداءات، غير أن الواجب الإسلامي والدولي يقتضي موقفًا موحدًا يردع كل من تسول له نفسه تهديد الحرمين الشريفين؛ أو اتخاذ الشعوب رهائن لمغامراته.

سيذكر التاريخ أن من وجَّه سلاحه نحو أرض الحرمين، وارتهن وطنه لمشروعٍ أجنبي، لم يكن صاحب قضيةٍ عادلة، بل صاحب فتنةٍ عظيمة؛ فالمقدسات لا تحميها الشعارات، وإنما يحميها صدق العقيدة؛ وحرمة الدماء، ووفاء الإنسان؛ لدينه ووطنه.