قرار حظر العملة في مناطق سيطرة “الدعم السريع”.. يثير جدلًا قانونيًا واسعًا وتحذيرات من تداعيات خطيرة(التفاصيل)

أثار القرار رقم (5/2026م) الصادر عن رئيس وزراء حكومة مليشيا الدعم السريع محمد حسن التعايشي، والقاضي بحظر تداول فئات من العملة الورقية الصادرة عن بنك السودان المركزي والموقعة باسم المحافظ “برعي” اعتبارًا من يونيو 2024، موجة واسعة من الجدل السياسي والقانوني داخل السودان، وسط تحذيرات من تداعياته على المواطنين في مناطق النزاع.

ونص القرار على اعتبار التعامل بالعملة المحظورة “جريمة اقتصادية سيادية” تستوجب المصادرة الفورية واتخاذ إجراءات جنائية بحق المخالفين، الأمر الذي فتح باب الانتقادات القانونية والاقتصادية حول مشروعية القرار وآثاره المحتملة.

وفي هذا السياق، قال الصادق علي حسن رئيس هيئة محامي دارفور، إن قرار حظر العملة الصادر عن حكومة “تأسيس” يثير إشكالات قانونية كبيرة، باعتبار أن الجهة المختصة قانونًا بإصدار أو سحب العملات من التداول هي بنك السودان المركزي، وليس أي جهة سياسية أو تنفيذية أخرى.

وأوضح أن العملات تستمد مشروعيتها من المؤسسة التي تصدرها وفق القانون، وليس من الأشخاص الموقعين عليها، مشيرًا إلى أن ربط مشروعية العملة باسم محافظ البنك المركزي يمثل خلطًا بين المؤسسة والأفراد.

وأضاف أن الإجراءات المتعارف عليها في حالات تغيير العملة أو سحبها من التداول تتم عبر إخطار المواطنين ومنحهم مهلة زمنية لاستبدال العملات القديمة، قبل فقدانها لصفة “إبراء الذمة”، بينما جاء القرار بصورة فورية دون أي ترتيبات انتقالية واضحة.

ويرى مراقبون أن القرار قد يؤدي إلى تعقيد الأوضاع المعيشية للمواطنين في مناطق دارفور وكردفان، خاصة أن غالبية السكان يعتمدون على العملات المتداولة حاليًا في معاملاتهم اليومية ومدخراتهم الشخصية.

كما أثار القرار مخاوف بشأن العقوبات المصاحبة له، والتي تضمنت المصادرة الفورية للعملات المحظورة وتجميد “الأموال المرتبطة بها”، وسط تساؤلات حول طبيعة تلك الأموال وحدود السلطات المخولة بتنفيذ القرار.

وقال الصادق علي حسن إن تجريم حيازة العملات التي كانت متداولة بصورة قانونية قبل صدور القرار قد يفتح الباب أمام تجاوزات خطيرة، خاصة في ظل غياب مؤسسات قضائية مستقلة أو نظام مصرفي متكامل داخل مناطق سيطرة “تأسيس”.

ومن النقاط التي أثارت انتقادات واسعة أيضًا، استخدام القرار لعبارة “الجهات العدلية” دون تحديد واضح للمؤسسات المخولة بالتنفيذ.

وأشار رئيس هيئة محامي دارفور إلى أن أي إجراءات جنائية تحتاج إلى إطار قانوني واضح ومحاكم مختصة وسلطات عدلية مستقلة، مؤكدًا أن غياب تلك المؤسسات يثير تساؤلات بشأن الكيفية التي سيتم بها تنفيذ القرار على أرض الواقع.

كما حذر من أن منح صلاحيات الضبط والمصادرة والتجميد بصورة واسعة قد يؤدي إلى ممارسات تعسفية بحق المواطنين، خاصة في ظل الظروف الأمنية المعقدة التي تشهدها مناطق النزاع.

ولم يكن قرار حظر العملة هو الوحيد الذي أثار الجدل بشأن حكومة “تأسيس”، إذ سبق أن أعلنت الحكومة عن ترتيبات لإصدار وثائق سفر وتنظيم امتحانات للشهادة السودانية في مناطق سيطرتها، رغم عدم حصولها على اعتراف دولي أو امتلاكها لمؤسسات دولة مكتملة.

ويرى منتقدون أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى تعقيد أوضاع المواطنين بدلًا من معالجة أزماتهم، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الطلاب والاعتراف بالشهادات والوثائق الصادرة عن تلك المؤسسات.

ويأتي هذا الجدل في وقت يعيش فيه السودان حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي الحاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وسط تعدد مراكز السلطة وتراجع سيطرة مؤسسات الدولة على أجزاء واسعة من البلاد.

وحذر مراقبون من أن استمرار القرارات المتضاربة بين الأطراف المتنازعة قد يدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار الاقتصادي والتفكك المؤسسي، في وقت يواجه فيه المواطن السوداني أوضاعًا إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة.

وأكد الصادق علي حسن أن الأزمة الحالية تتطلب حلولًا سياسية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة وتحفظ حقوق المواطنين، بدلًا من القرارات التي قد تزيد من تعقيد المشهد السوداني.