إن الدراسة القانونية والدستورية لاتفاق الإطار الموقّع بين دولة لبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من حزيران الماضي مهمة لفهم ماهيّة هذا الاتفاق لاسيما مع اختلاف التسميات المشيرة إليه من الموقّعين أنفسهم. هل هو اتفاق دولي ملزم، أم مجرد إطار سياسي تمهيدي؟ وهل توقيعه يكفي لإلزام لبنان، أم أن الإلزام الحقيقي لا يبدأ إلا بعد موافقة المؤسسات الدستورية؟
من الناحية الدستورية، تبرز المادة 52 من الدستور اللبناني بوصفها المرجع الأساسي في هذا النقاش. فهي تنص على أن رئيس الجمهورية يتولى التفاوض في المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وأن هذه المعاهدات لا تُعد مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، كما أن المعاهدات التي تتعلق بمالية الدولة، أو لا يمكن فسخها سنة فسنة تحتاج إلى موافقة مجلس النواب.
كما أن المادة 65 من الدستور تضيف قيدًا آخر، إذ تجعل الحرب والسلم والاتفاقات الدولية من المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء. لذلك، فإن توقيع سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض لا يكفي، بحد ذاته، لإلزام الدولة اللبنانية إلزامًا نهائيًا، أي أنه لا يرقى إلى إبرام دستوري كامل ما لم يمرّ عبر المؤسسات المعنية. وهذا يعني أن الإلزام الحقيقي مرتبط بإقرار أي ملحق أمني أو اتفاق شامل لاحق ضمن الأصول الدستورية.
وفي حديث لجريدة "الأنباء الالكترونية"، أوضح رئيس قسم الدراسات السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور عماد سلامة، أن "الاتفاق يَعِد باستعادة السيادة اللبنانية من خلال انسحاب متبادل للنفوذ الإيراني والاحتلال الإسرائيلي، لكنه في الوقت نفسه يجعل هذه السيادة مرتبطة بترتيبات أمنية وآليات تنفيذ قد تضعها عمليًا تحت التحقق الأميركي والقبول الإسرائيلي"، عليه يُحذّر سلامة من أن تتحول السيادة من حق أصيل إلى مسار مشروط بإرادة خارجية.
ويشير سلامة الى أن "الاتفاق يعزز السيادة نظريًا لأنه يدعو إلى إنهاء جميع أشكال النفوذ الخارجي، لكنه يقيدها عمليًا إذا بقي تنفيذ الالتزامات مرهونًا بالرقابة الأميركية والموافقة الإسرائيلية بدلًا من المؤسسات اللبنانية. وهذه النقطة تشكل جوهر الإشكالية، فالخلاف لا يدور حول حق الدولة في احتكار السلاح، بل حول الطريقة التي يُعاد بها بناء هذا الاحتكار، وهل يتم ذلك عبر تسوية لبنانية داخلية أم عبر ضغط خارجي يربط الانسحاب والإعمار والأمن بشروط قابلة للتفسير الإسرائيلي والأميركي؟".
ويرى سلامة، أن الاتفاق "ينقل مركز الصراع من الاحتلال الإسرائيلي وحده إلى معادلة تربط إنهاء الاحتلال بمعالجة سلاح حزب الله، بحيث يصبح الانسحاب الإسرائيلي جزءًا من صفقة أشمل لاستعادة سيادة الدولة. وهذا التحول يمنح إسرائيل مكسبًا سياسيًا، لأنها لم تعد مطالبة بانسحاب مستقل وغير مشروط، بل بات بإمكانها ربط انسحابها بما تعتبره إزالة للتهديد الأمني".
وقد ظهر هذا المنطق بوضوح في الموقف الإسرائيلي اللاحق للاتفاق. فبعد أيام من توقيعه، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "إن إسرائيل لن تنسحب من الجنوب ما دام حزب الله مسلحًا ويشكل تهديدًا".
يتضمن الاتفاق المدعوم أميركيًا انسحاب إسرائيل من منطقتين تجريبيتين وتسليمهما إلى الجيش اللبناني، من دون أن تكون تفاصيل التنفيذ واضحة بالكامل. وبناءً عليه، يصبح الانسحاب الإسرائيلي، بالصيغة الحالية، نتيجة مشروطة لا التزامًا مستقلًا. وهذه هي النقطة التي تلتقي فيها قراءة سلامة مع موقف الرئيس وليد جنبلاط، الذي توقف عند تغييب اتفاقية الهدنة لعام 1949 عن بنود الاتفاق الإطاري، معتبرًا أن الاتفاق "ثلاثي بالشكل وأحادي في المضمون".
كما شدد على أن "اتفاقية الهدنة تشكل أساسًا في العلاقات بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، وأنها جزء لا يتجزأ من اتفاق الطائف، وقد وردت في خطاب القسم والبيان الوزاري".
لا يبدو اعتراض وليد جنبلاط هنا شكليًا، فغياب اتفاقية الهدنة يعني، سياسيًا وقانونيًا، إبعاد المرجعية التي نظمت العلاقة بين لبنان وإسرائيل منذ العام 1949، واستبدالها بإطار جديد قائم على شروط أمنية مرتبطة بنزع السلاح والتحقق الخارجي. الخطر لا يكمن فقط في التفاوض بحد ذاته، بل في غياب مرجعية قانونية واضحة، وفي تحويل السيادة اللبنانية إلى مسار مشروط بالأداء الأمني والرضا الخارجي.
وبين تغييب اتفاقية الهدنة وربط الانسحاب بنزع السلاح، يظهر الاتفاق وكأنه ينقل لبنان من منطق الحق الثابت بالسيادة والانسحاب إلى منطق الأداء الأمني المشروط. وهذا ما يجعل وصف جنبلاط للاتفاق متقاطعًا مع قراءة سلامة التي ترى أن الاتفاق قد يعزز السيادة في الخطاب، لكنه يقيدها في آليات التنفيذ.
أما داخليًا، فالمعضلة الأكبر ترتبط بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ شرط نزع السلاح. فاحتكارها للقوة هو مبدأ دستوري وسيادي أساسي، لكنه في الحالة اللبنانية لا يمكن فرضه بالقوة من دون خطر انفجار داخلي. ويعتبر الدكتور سلامة أن "الدولة لا تملك القدرة الواقعية على فرض ذلك بالقوة، بل يحتاج الأمر إلى تفاهم سياسي وطني واسع، وإلى موافقة البيئة الشيعية بصورة خاصة، لأن نجاح الاتفاق يرتبط بشرعيته الداخلية أكثر مما يرتبط بالإجراءات الأمنية".
في المقابل، لا يرى سلامة أن "الاتفاق يضع لبنان حتمًا أمام خيارين نهائيين: مواجهة داخلية أو استمرار الاحتلال"، مؤكدًا أن المؤسسات الدستورية والمسار السياسي قادران على استيعاب الخلافات، لكنه يشير إلى أن رفض "حزب الله" للاتفاق قد يجعله، أمام الرأي العام، مسؤولًا عن استمرار الاحتلال والحرب، باعتبار أن رفضه قد يُنظر إليه على أنه حال دون تنفيذ مسار يؤدي إلى الانسحاب واستعادة السيادة. وهذه المعادلة قد تحول الخلاف حول الاتفاق إلى ضغط مباشر على البيئة الشيعية، خصوصًا إذا ارتبطت إعادة الإعمار والمساعدات الدولية بتنفيذ الشروط الأمنية.
ويظهر الدور الأميركي في هذا الإطار كعامل حاسم. فالولايات المتحدة لا تؤدي دور الوسيط التقليدي فقط، بل تتحول إلى مشرف وضامن سياسي وأمني. ووفق سلامة، فإن الدور الأميركي "يتجاوز الوساطة التقليدية إلى الإشراف والضمان السياسي والأمني، لأن معظم آليات التنفيذ والمتابعة والضغوط الدولية تمر عبر واشنطن". وهذا يعني أن لبنان لا يتعامل فقط مع إسرائيل، بل مع منظومة ضغط دولية تربط الأمن بالاقتصاد والإعمار والمساعدات.
وهنا تبرز مسألة إعادة الإعمار بوصفها أداة ضغط سياسي. فربط المساعدات الدولية بتنفيذ الشروط الأمنية يجعل الاقتصاد جزءًا من معادلة التفاوض، لا مجرد ملف إنساني أو إنمائي. ويوضح سلامة أن "ربط الإعمار بالشروط الأمنية يجعل الاقتصاد أداة ضغط سياسي، ويضع جميع اللبنانيين، ولا سيما البيئة الشيعية، أمام خيار حاسم بين القبول بمسار التسوية أو تحمل كلفة استمرار الحرب والاحتلال والعزلة". وهذا الربط قد يخلق واقعًا داخليًا ضاغطًا، بحيث يصبح الاعتراض على الاتفاق مرتبطًا بكلفة اقتصادية واجتماعية مباشرة.