قال الله تعالى: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ) – د. تنيضب الفايدي

لا يستطيع أحد أن يصل إلى مستوى ما كتبته عن آثار الوطن من حيث الصدق والثقة خلال ثلاثين عاماً.

مدينة الحجر أو مدائن صالح موقع أثري مهم في بلدنا الغالي، ويطلق هذا الاسم على هذا المكان منذ أقدم العصور، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) سورة الحجر الآية (80)، وعرفت بهذا الاسم؛ لأنها منطقة منخفضة وفسيحة تحيطها جبال من الحجر الرملي (الكوارتز)، حتى أن الداخل إلى المنطقة ليجد نفسه وسط سلسلة من الجبال المتشابكة والمنفصلة والمنحدرات الصخرية، ويتميز الموقع بطبيعته الصحراوية التي تتسم بالنتوءات الواقعة على الصخور بمختلف الأحجام والارتفاعات، تتميز منطقة مدائن صالح بالتكوينات الصخرية، كما أنها تتميز أيضاً بتنوّع ألوان صخورها الرملية بين الأحمر والأصفر والأبيض، بالإضافة إلى أن الموقع محاط بالكثبان الرملية من جميع الجهات.

تشتهر الحجر بالجبال المنحوتة والبراعة في نحت البيوت في الجبال، وبناء القصور في السهول، وذكر ذلك القرآن الكريم قال تعالى: (وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) سورة الأعراف الآية (74)، فأعطاهم الله سبحانه وتعالى قوة عجيبة حيث ينحتون الجبال كاملاً ويعيشون آمنين مطمئنين، وإذا أردنا أن نعرف مدى ما كانوا فيه من الأمن والاستقرار فإننا نقرأ قول الله تعالى: (وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ) سورة الحجر الآية (82)، وقد فسر الزمخشري هذا الأمن الذي جاء في هذه الآية بقوله: «آمنين لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تتهدم ويتداعى بنيانها، ومن نقب اللصوص، ومن الأعداء، وحوادث الدهر، أو آمنين من عذاب الله يحسبون أن الجبال تحميهم منه». ولكن كفروا هذه النعمة وذلك بالشرك بالله العظيم وتكذيب نبيهم صالح - عليه السلام - فأهلكهم الله تعالى بالصيحة، والجبال الموجودة حتى الآن شاهدٌ على ذلك فإن جميع الجبال قد نحتت واجهاتها وحفرت بعض أجزائها داخلياً، ومن أمثلتها المنحوتات في جبل إثلب والمتمثلة في الديوان، والمحاريب المنحوتة في الجبال، وفي أماكن متفرقة على الواجهات الصخرية، بالإضافة إلـى الآبار المنحوتة في الصخر، والمنطقة السكنية التي تقع في السهل المنبسط في وسط الموقع، كلها تجمعها مدينة الحجر.

كان شغلهم نحت الجبال حيث حفروا أكثر من مائة جبل في الحجر وجعلوها بيوتاً آمنين يسكنون فيها، وتظهر هذه البيوت جلية في مجموعة من الجبال في الحجر حيث الغرف الكبيرة المنحوتة في الصخور، وكم تثيرك الدهشة عندما ترى ذلك على الواقع الميداني وتزداد دهشتك ويزداد الانبهار وأنت بداخل (الصوالين) الواسعة المنحوتة من الصخر في جوف الجبل، وبعض الجبال حوّلت بكاملها إلى ديوان، وتوجد في الحجر مجموعة من أهم آثار العالم القديم على الإطلاق وهي المقابر الصخرية الفريدة التي يعود أغلبها إلى القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي، وهي نماذج رائعة للعمارة الصخرية والفنون الزخرفية في آنٍ واحد، وإلى جانب هذه المقابر توجد في المنطقة بقايا معابد وكوات مقدسة، وتنتشر في الموقع كميات متنوعة من المخلفات الأثرية الأخرى، كما توجد في منطقة الحجر مجموعة كبيرة من المقابر المنحوتة في الجبال والتلال المحيطة بالمنخفض الأوسط للموقع، وتضاهي في مجموعها مقابر البتراء النبطية في الأردن، وتتشابه معها في كثير من الأطر العامة لأساليب التنفيذ وتصميمات الواجهات واستخدام بعض العناصر الزخرفية، ومن جانب آخر تختلف عنها من ناحية أن مقابر الحجر لا تحتوي غرف الدفن فيها على منحوتات زخرفية.

يبدو من طرز مقابر الحجر المتعددة أنها تنتمي إلى أكثر من فترة زمنية ويبلغ إجمالي عدد المقابر الصخرية في الحجر (مدائن صالح) نحو 131 مقبرة، المؤرخ منها على وجه التحديد 33 مقبرة. وتتوزع أغلب هذه المقابر وآثار الحجر بعامة في مواقع تسمى بأسماء محلية على النحو الآتي: قصر البنت، وقصر الصانع، والخريمات، والصليمية، وجبل المحجر، وقصر العجوز، وقصر الفريد، والمدقة، والهاجري، ومربط الحصان وغيرها، وبعض هذه المواقع لا يحتوي سوى مقبرة واحدة كقصر العجوز أو قصر الفريد، بينما تحتوي مواقع أخرى على أعداد كبيرة منها: موقع الخريمات الذي توجد به ثلاث وخمسون من مقابر الحجرية الصخرية.

يبدأ العمل في نحت المقبرة في منطقة الحجر باختيار المكان المناسب من ناحية جودة الصخر وسلامة الكتلة الصخرية المختارة الخالية من الشقوق والتصدعات، كما أن تلك المقابر غير المكتملة في الموقع والتي لم ينفذ النحات سوى أجزائها العلوية في قمة الصخرة تشير إلى أن نحت المقبرة يبدأ من الأعلى إلى الأسفل، وليس العكس، وفي ذلك دلالة واضحة على التقدم الكبير للهندسة المعمارية لدى أهل الحجر من الأنباط.

ينقسم تصميم أمكنة الدفن في مقابر الحجر إلى أسلوبين: الأسلوب القديم وهو قطع خندق أو حفرة مستطيلة في الأرضية، والأسلوب الآخر هو نحت فراغات في جانب الجدار، وتعرف هذه التجويفات التي تنحت على شكل متوازي مستطيلات مفتوح من أحد الجوانب باسم المقابر ذات العيون.

إن أبرز ما في المقابر الصخرية النبطية في كل من البتراء والحجر واجهاتها الفريدة والمتميزة التي يعد معظمها نماذج لعبقرية المزج بين التناسق المعماري من ناحية، والثراء الزخرفي في مختلف الأطر والعناصر من ناحية أخرى. وتتعدد العناصر والمكونات الزخرفية التي تزين واجهات المقابر الصخرية في الحجر، فقد تضم بينها رموزاً عربية محلية صرفة مثل المزهرية رمزاً للمعبودة (اللات) أو أحد رموز المعبود (ذو الشرى). وقد تنوعت بعض أشكال النسور المنحوتة على واجهات مقابر الحجر حيث صور بعضها بأجنحة مبسوطة وبعضها الآخر بأجنحة مقوسة إلى أعلى، كما وجدت ضمن العناصر الزخرفية لواجهات مقابر الحجر رموز يونانية صرفة مثل رأس المرأة التي شكل شعرها على هيئة الثعابين، كما نحتت في الواجهة أشكال الأسود والتي كانت رمزاً بشخصية الزعيم.