في يومها الوطني.. السعودية: دولة الجذور الراسخة وطموح المستقبل – حذامي  محجوب

إننا نخطئ حين نعتبر أن الوطن هو الماضي فقط.. فالوطن هو الماضي والحاضر والمستقبل. والسعودية ليست مجرد وطن بحدود.. ولكنها تاريخ الإنسانية كله.

ثمّة أوطان يُحتفل بتاريخها، وثمة أوطان يتحول تاريخها إلى معنى حيّ يتجدد كلما مرّت السنين.

والمملكة العربية السعودية من تلك الأوطان التي لا يمكن قراءة يومها الوطني باعتباره مجرد مناسبة تستعاد فيها ذاكرة، أو يومًا تتزين فيه المدن بالأعلام، وإنما باعتباره لحظة للتأمل في تجربة دولة استطاعت أن تجعل من الوحدة أساسًا للوجود، ومن الاستقرار قاعدة للبناء، ومن البناء طريقا إلى التنمية، ومن التنمية جسرا إلى حضور دولي يتجاوز حدود الجغرافيا.

وعندما ينظر الإنسان العربي من خارج السعودية إلى اليوم الوطني، فإنه لا يرى مناسبة داخلية فحسب، بل يرى تجربة دولة عظيمة، استطاعت أن تحول الوحدة إلى استقرار، والاستقرار إلى تنمية، والتنمية إلى حضور دولي فاعل.

وهنا تحديدًا تكمن خصوصية اليوم الوطني السعودي.

ففي الثالث والعشرين من سبتمبر، تستعيد المملكة ذكرى إعلان توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية عام 1932 على يد المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، بعد مسيرة طويلة بدأت باسترداد الرياض عام 1902، ثم توالت مراحل توحيد مناطق البلاد وبناء الدولة.

وهذه ليست مجرد وقائع محفوظة في كتب التاريخ، إنها اللحظة التي انتقلت فيها جغرافيا واسعة ومجتمعات متعددة إلى إطار سياسي واحد، وإلى دولة تحمل اسمًا واحدًا وراية واحدة ومرجعية واحدة.

لكن قيمة التوحيد لا تقاس فقط بما حدث في لحظة التأسيس، وإنما بما استطاعت الدولة أن تفعله بعد ذلك.

فالتاريخ مليء بكيانات نشأت ثم تراجعت، ومشاريع سياسية ظهرت ثم انكفأت، ودول واجهت تحديات داخلية وخارجية أنهكت قدرتها على الاستمرار.

أما التجربة السعودية، فقد مضت من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تثبيت المؤسسات، ثم إلى بناء الاقتصاد، ثم إلى توسيع التعليم والخدمات والبنية الأساسية، وصولًا إلى التحول الكبير الذي تعيشه المملكة اليوم.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي في اليوم الوطني ليس: كيف تأسست المملكة؟.

وكيف تحولت فكرة الوحدة التي حملها المؤسس الأول إلى دولة تستطيع، بعد أكثر من تسعة عقود، أن تواجه عالمًا مختلفًا تمامًا عن العالم الذي ولدت فيه؟.

فالدولة التي أسسها المغفور له الملك عبدالعزيز لم تكن مشروع لحظة عابرة، وإنما مشروع بناء سياسي واجتماعي ومؤسسي استطاع أن ينتقل من جيل إلى جيل.

تعاقبَ الملوك، وتبدلت الظروف، وتغيرت المنطقة والعالم، وظهرت أجيال جديدة، وتحوّل الاقتصاد من موارده التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، وتغيرت أدوات القوة، لكن الدولة بقيت حاضرة في بنيتها وقرارها وهويتها.

فالرسوخ لا يعني أن الدولة لا تتغير، وإنما يعني أنها تستطيع أن تتغير دون أن تفقد ذاتها.

ولعل هذه واحدة من أهم النقاط التي ينبغي التوقف عندها في قراءة السعودية اليوم. فالمملكة لا تعيش على أمجاد التأسيس، ولا تنظر إلى الوحدة باعتبارها لحظة تاريخية انتهت بانتهاء عام 1932، وإنما حولت ذلك الإرث إلى قاعدة تستمر فوقها عملية البناء.

لقد كان التوحيد هو البداية. ثم جاء الاستقرار ليمنح الدولة فرصة البناء.وجاءت التنمية لتمنح المجتمع أدوات التقدم.

ثم جاءت رؤية المملكة 2030 لتفتح مرحلة جديدة تتسع فيها دوائر الطموح الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي والسياحي والاستثماري، وتعيد المملكة من خلالها تعريف كثير من أدوات قوتها ومصادر تأثيرها.

وهكذا فإن المسيرة السعودية تبدو، عند النظر إليها من الخارج، كأنها سلسلة متصلة وليست مراحل منفصلة : دولة تأسست على الوحدة، ثم رسخت استقرارها، ثم بنت مؤسساتها، ثم راكمت قوتها الاقتصادية، ثم انطلقت نحو إعادة تشكيل موقعها في العالم.

ولذلك فإن اليوم الوطني السعودي لا يحتفي بالماضي ضد الحاضر، وإنما يجعل الماضي مفتاحًا لفهم الحاضر.

فالراية التي يرفعها السعودي اليوم هي ذاتها راية الدولة التي خرجت من مشروع التوحيد، لكن البلاد التي ترفعها لم تعد هي البلاد التي كانت عليها في بدايات القرن الماضي.

لقد تغيرت المملكة، وتغير المجتمع، وتغير الاقتصاد، وتغيرت أدوات الدولة، واتسعت طموحات الأجيال، وتغير موقع السعودية في الإقليم والعالم.

لكن شيئًا أساسيًا بقي ثابتًا: الهوية، والانتماء، والوطن.وبقيت الوحدة. وبقيت الدولة. وبقيت العلاقة التي تشكلت عبر عقود بين المجتمع وقيادته ومؤسسات الدولة.

ومن هنا لا يمكن فصل الحديث عن اليوم الوطني دون الحديث عن التلاحم الوطني. فالدولة ليست مؤسسات فقط، كما أن الوطن ليس جغرافيا وحدود فقط.

الدولة في النهاية علاقة بين مؤسسات ومجتمع وقيادة وذاكرة مشتركة ومصالح مشتركة ومستقبل مشترك.

وعندما تواجه الدول أوقات الاضطراب، تظهر قيمة وصلابة هذه العلاقة أكثر مما تظهر في أوقات الهدوء.

وهنا يأتي اليوم الوطني السعودي في لحظة مختلفة، لحظة تعيش فيها المنطقة اضطرابات أمنية وسياسية متزايدة، وتتعرض المملكة لتهديدات ومحاولات اعتداء تستهدف أمنها واستقرارها، في الوقت الذي تواصل فيه مسارها التنموي ومشاريعها الكبرى.

وفي الأيام الأخيرة، واجهت المملكة اعتداءات إرهابية حوثية، كان من بينها إطلاق طائرة مسيرة باتجاه مكة المكرمة، وقد أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترضتها ودمرتها قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، وجددت المملكة تأكيد حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمن الحرمين الشريفين وكامل أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها.

وهنا تتجاوز المسألة حدود حادث أمني عابر. فحين تتعرض دولة لعدوان إرهابي، لا يكون الاختبار في الهجوم ذاته فقط، وإنما في قدرتها على الحفاظ على توازنها، وعلى حماية مجتمعها، وعلى استمرار مؤسساتها، وعلى منع التهديد الخارجي من التحول إلى اضطراب داخلي.

واللافت في المشهد السعودي هو أن الاعتداءات الأخيرة لم تغيّر اتجاه الدولة، ولم توقف مسارها، ولم تجعل التنمية تتراجع أمام الأمن، بل ظهرت الدولة وهي تمارس وظائفها الطبيعية : حماية الأرض، حماية المجتمع، حماية المقدسات، والتعامل مع التهديدات، بالتوازي مع مواصلة مشروعها التنموي.

وهنا يصبح التلاحم الوطني أكثر من عبارة تُقال في المناسبات. إنه يتحول إلى عنصر من عناصر قوة وعظمة الدولة.

فالالتفاف حول القيادة في أوقات الخطر لا يعني فقط التعبير عن الوفاء والولاء، وإنما يعكس إدراكًا بأن أمن الدولة واستقرارها ومؤسساتها ليست قضايا منفصلة عن حياة المواطن ومستقبله.

لقد اعادت الاعتداءات الإرهابية الأخيرة إبراز التلاحم بين أبناء الوطن والقيادة، ووحدة المجتمع في مواجهة ما يستهدف أمن المملكة.

وهنا يمكن فهم العلاقة بين التاريخ والحاضر بصورة أكثر عمقا.

فالملك عبدالعزيز وحّد الأرض. أما الأجيال السعودية المتعاقبة فقد حافظت على الوحدة وبنت الدولة.

واليوم، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، تدخل المملكة مرحلة مختلفة من البناء، مرحلة لا تكتفي بالمحافظة على ما تحقق، وإنما تعمل على إعادة صياغة أدوات القوة السعودية استعدادًا لعالم جديد.