في وسائل التواصل.. حين يلبس الجهل ثوب العلم وبدلة الحكمة وعمامة الباطل – رمضان جريدي العنزي

في السوشيال- ميديا، لم يعد المرء بحاجة إلى دراسةٍ طويلة، ولا إلى تجربةٍ متراكمة، ولا إلى تخصصٍ أكاديمي، ولا إلى سنواتٍ من البحث والممارسة حتى يصبح صاحب رأيٍ يُسمع، أو خبيرًا يُستفتى، أو محللًا يُتابع، يكفي أن يقرأ أحدهم سطرين، أو يشاهد مقطعًا لدقائق، حتى ينصّب نفسه مرجعًا في كل شيء، فهو اليوم محللٌ سياسي، وغدًا خبيرٌ اقتصادي، وبعده طبيبٌ نفسي، ثم عالمٌ وفقيه، ومفتٍ وراوية، وشاعر وناقد، وصاحب حكمة وتجربة، بل وربما يمنحك في جلسةٍ واحدة تشخيصًا طبيًا، وحكمًا شرعيًا، وتحليلًا سياسيًا، ونصيحةً تربوية، وقراءةً نفسية، وكأنه قضى عمره بين المختبر والجامعة والمحكمة وكتب التراث، ولم تعد المشكلة في أن الإنسان يملك رأيًا؛ فالرأي حق، والاختلاف سنة من سنن الحياة، وإنما المشكلة حين يتحول الرأي إلى حقيقة مقدسة، والجهل إلى معرفة، والانطباع إلى تحليل، والجرأة إلى علم، وعدد المتابعين إلى شهادة اعتماد، لقد اتسعت المنصات حتى أصبح للجهل منبر، وللسطحية جمهور، وللثرثرة جمهورٌ أكبر، وللخبال سوقٌ رائج يُسوَّق على أنه مرح وفكاهة، بينما تُهمَّش المعرفة الهادئة، لأنها لا تصرخ، ولا تستعرض، ولا تبحث عن التصفيق، في هذا العالم الافتراضي.