في مفهوم الإبداع

هنا في ملحقنا الثقافي وضمن هذه المساحة نحاول جاهدين أن ننفح بذُوراً للنور لتتبرعم وتورق بأغصان المعرفة، وذلك من منطلقات عدّه، قد يكون أهمها أمانة الكلمة وصدق النوايا والتواصل الحضاري، ولأن هذه المساحة معنية بالثقافة والوعي وخصوصا الثقافة بوجهها العام، كونها أصبحت من القضايا الكبرى التي يجب أن نتكئ عليها نحو تعزيز الهوية والمنطلقات الوطنية، وهي أحد أهم ركائز منطلقات رؤيتنا المباركة، حيث بدأت تتشكل في أفق ما لتتجاوز بعدها الحضاري إلى جوانب اقتصادية نافعة، لأن مع تعدد وتنوع الثقافات في هذا الوطن الكبير تتسع الرؤى وتتضاعف قدرة روافدها الإدارية والمالية، وتباعاً تزيد وظائف الشغل وكذا يزيد الدخل القومي فالعلاقة هنا تصبح علاقة طردية، لان التعاطي مع الثقافة يفتح نوافذ متعددة، ولا يخفى على الجميع ما تشهده اليوم المملكة من اتساع واسع نحو ثقافتنا المتعددة لتبرز عديد من الهيئات التي تعتني بالإرث الحضاري والثقافي مع جامعة فتية تنّتظم في العطاء المعرفي والفكري، وتُنظّر وفق طرق علمية وأكاديمية لتحفل بالفنون والثقافة، ولهذا اسعد حين تتاح لنا الفرصة من خلال هذا الصرح الرائد «جريدة الرياض» الغراء لتقديم بعض الرؤى واللطائف حول مفهوم الإبداع وبات من الضرورة أن لا نضيّق واسعاً ونحصر انفسنا في الزاوية العمياء لأن الإبداع مجاله واسع وليس بالضرورة أكون كاتبا أو روائيا أو شاعرا أو فنان تشكيليا وغيرها مما يستحق هذا الوصف حتى أكون مبدعاً، قد يكون هنا خصائص كثيرة تحملها بين جنباتك تستحق هذا الوصف وبجدارة متى ما شاركت بها وأبصرت النور. إن الإبداع يتخذ مسارات مختلفة والشخص معني عن غيره باكتشاف نفسه وإبداعه فالمبدع تجده دائما في حالة تجلي وهو على صلة وثيقة بثنائية المعرفة والمهارة، لأن الإبداع في واقعه تخطى عن المألوف ومغاير عن الطريقة العادية ويتفرد بلمسة مختلفة تجعله يوثق بصمة تحسب له، وبالتالي يوصف بكلمة مبدع لأننا حين نقف أمام مفهوم الإبداع فهو يُعَد توصيفا للسلوك والفكر والمعرفة أي أن الإبداع بالضرورة من خلاله نقدم عملا إبداعيا مفارقا لغيره سواء كان ثقافيا أو فنيا أو رياضيا أو أسلوبا مقترن بالفطنة والحَذَق والحكمة، إلى غير ذلك مما يستحق أن يتصف ويتجلى بهذا المفهوم، فالشخصية المتوثبة معنية بتفعيل قدراتها ومهاراتها لتتشكل حالة إبداعية جديدة ومن هنا يخرج لنا قدرات وطاقات متعددة ونجاحات مختلفة تتنوع حسب ملكات وموهبة كل شخص، فالإبداع لا يقتصر على الكتابة أو الفن. الإبداع هو كل عمل مميز ايجابي وريادي يفتح نوافذ نحو معرفة خلاقة وجديدة، ومن هذا المنطلق تتسع دائرة الإبداع والمبدعين لأن الناس تختلف في ميولها ورغباتها وبالتالي تكون ملكاتها ومواهبها متفقة مع ما هي تميل إليه وترغب فيه، وبالتالي يتحقق مفهوم الإبداع ويحضر عطاء الإنسان وصوت الحياة المنبثق من ثنايا مفهوم عمارة الأرض ومبادئ الاستخلاف فيها، وينهض ركام من الإبداع الذي كان يجثم في دواخلنا ليشكل مفاهيم جديدة ورؤية أشمل للإبداع في مسرح الحياة وفي هذا الوجود على تنوعه وتعدد مصادرة وملامحه، ليتحول الراكد إلى طاقة والمواهب إلى معارف وهذا هو ما يجعل الإبداع يخرج إلى ساحة أوسع ونطاق أرحب ونلمسه بين فئات المجتمع على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتبايناتهم الاجتماعية ونستلذ بنتائجه ومخرجاته بعد أن تجاوز مفهوم أطره الضيق حين انحصر في اتجاهات معنية.