«الطيــب وسـيــع بطــانــه»

ما يستشك يا حسين كود الرديين ولا ترى الطيب وسيع (ن) بطانه هذا البيت من ثقافة الجزيرة يُنسب إلى عبدالله الرشيد، وهو جزء من قصيدة يخاطب فيها رفيقاً له اسمه حسين، لكنه أصبح من البيوت السائرة على ألسن الناس والتي يُستشهد بها منذ ذلك الزمن إلى هذا الحين، حيث قرر فيها الشاعر فكرة وافرة العمق، وهي أن ذهنية الشك وسوء الظن المنغرستين في طبع إنسانٍ ما، إنما هما رداءة متلبسة في النفس، وضيق في الروح، وانطماس في البصيرة، وانتفاء للتعقل والتروي، وحيد عن الاستبانة أو استقراء المواقف والمشاهد. وتظهر أثار هذه الرداءة إلى مرأى الناس ومسمعهم، فيلحظونها ويرونها رأي العين. في حين أن سلامة النية، ونقاء الطوية، وسعة الصدر، وحمل المواقف على محامل طيبة؛ إنما تعبق من الطيبين السويين؛ من يُبطنون نصيبًا جمًّا من الخير في دواخلهم. ومن بديع ما اشتمل عليه هذا البيت، حضورُ أسلوبٍ بلاغي دقيق، يتمثل في تكثيف الفعل من «يشك» إلى «يستشك» وذلك ما يسمى عند البلاغيين بـ»التكثيف الدلالي»؛ إذ أن كلمة يشك قد تدل على مجرد الوقوع في الشك، بينما تصور كلمة يستشك إنسانًا يتربص مواضع الشك، ويتكلفه، ويترقب مسببات الريبة، ناهيك عن إشارتها إلى طبعٍ يتطبعه. كما اعتمد الشاعر على الفعل المزيد، وهو من صيغ المبالغة في هذا السياق، حيث يرى البلاغيون أن زيادة المبنى ــ كما في الفعل يستشك ــ تدل على زيادةٍ في المعنى. أصبح هذا البيت مشهورًا لأن معناه تجاوز قصته، وبات يُقال في كل موقف يقع فيه الشك موقعا غير صائب. ومما يجدر ذكره أن مضمون البيت يتلاقى مع مفاهيم علم النفس الحديث، وذلك في مفهوم يُدعى الإسقاط (Projection)، حيث إن الإنسان كثيرًا ما يرى في الناس ما يحمله هو في داخله؛ فالذي اعتاد الخيانة يتوقعها من الجميع، والذي اعتاد الكذب قد لا يجد في الناس من يلتمس فيه الصدق. والأهم من ذلك أن سوء الظن غالبًا ما يكشف عن صاحبه أكثر مما يكشف عن الاّخرين أو كما قيل «كلُ يرى الناس بعين طبعه» ومن لطيف ما يُذكر أن المتنبي قد عبر عن ذات الفكرة عندما، قال: إذا ساء فعلُ المرءِ ساءت ظنونُهُ وصدَّقَ ما يعتادُهُ من توهُّمِ.. حيث يرى أبو الطيب أن استمراء فعل الشر وتكراره هو المفضي إلى سوء الظن، إذ إن فساد الفعل يورث سوء البواعث وسوء الظنون. ولعل أجمل ما أسدته إلينا ثقافتنا أنها عدّت حسن الظن وحمل الأمور على محامل طيبة؛ أصلًا في تخلُق النفوس وتهذيبها؛ لذلك رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتاب «محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب» قوله: «من عرّض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سرّه كانت الخيرة في يده، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم شرّاً، وأنت تجد لها في الخير محملاً » وتتميز مقولته بأن فيها اتزان حيث لا ينبغي للمرء أن يضع نفسه في مواضع التهمة، وأن لا يوطن ذاته في مواطن الشك، وأن يستميل نفسه الى استصواب تأويل أفعال الناس ما وجد لذلك سبيلا. لحظة ختام: نحن لا نصف العالم بل نصف أنفسنا من خلال العالم!