في عامها الثلاثين… هل غيّرت «الجزيرة» جلدها؟

في عيدها الثلاثين، تطوي «الجزيرة» صفحة شعار «الرأي والرأي الآخر»، وتدشّن هوية جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. لكن خلف الاستديوهات والتقنيات الحديثة، تبرز أسئلة أكثر جوهرية حول تحوّلات سياستها التحريرية، وتراجع حضور فلسطين، وعلاقتها بالسلطة القطرية. فهل تعيد الشبكة ابتكار نفسها، أم تتخلّى عن الإرث الذي صنع شهرتها؟

تغيير العلامة التجارية أو الهوية البصرية لأي مؤسسة لا يعني بالضرورة تطورها أو إحرازها تقدماً. فتغيير الصورة أو الشعار اللذين عُرفت بهما قد يتجاوز تحديث الشكل، ليعكس تحولاً في إدارة المؤسسة أو أهدافها التي قامت عليها منذ البداية. تعمل الكيانات الإعلامية، على وجه الخصوص، على ترسيخ اسمها وهويتها لدى الجمهور، وبناء علاقة ثقة معه. من هذا المنطلق، لا يمكن الاكتفاء بالنظر إلى التغييرات التي أعلنت عنها شبكة «الجزيرة» بالتزامن مع احتفالها بعيدها الثلاثين بوصفها مادة للإعجاب والانبهار، خصوصاً عندما تترافق مع احتفالات ضخمة وساعات بث طويلة واستديوهات جديدة. يجب التوقف عند دلالاتها وما تحمله من رسائل بشأن هوية الشبكة وتوجهاتها، وما تبرزه من تجربتها التي بدأتها بإطلالة الراحل جمال الريان في العام 1996.

مختبر للصحافة

بثلاث قنوات جديدة، تتمايز في توقيت تقديم المعلومة وطبيعتها، من الأخبار الساخنة والعاجلة إلى الأخبار الباردة والتحليل، توسّع «الجزيرة» تجربتها الإعلامية. يمكن اعتبار الإمكانات التقنية والاستثمار المالي الضخم، الذي لا يتاح إلا لعدد محدود من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية، ركيزتي التجديد الحالي في الشبكة الشهيرة.لا شك في أنّ «الجزيرة» ـ بتحديثاتها الأخيرة ــ باتت مختبراً إعلامياً مفتوحاً على أحدث التقنيات وطرق العمل التي أعلنت عنها في نموذجها الإخباري الجديد «نواة» المدمج بالذكاء الاصطناعي. لكن التغيير هنا يخص بيئة الإنتاج أكثر مما يخصّ طبيعة المحتوى، أي إنّه سيشعر به ويستفيد منه العاملون ضمن الشبكة، فيما سيواصل الجمهور البحث عما يقدّم رواية تتجاوز السياقات والمؤسسات الرسمية التي فقد الجمهور ثقته بها لصالح صنّاع المحتوى المستقلين ومنتجي الأخبار الرقميين. وهذا ما يؤكده تقرير معهد «رويترز» لدراسة الصحافة حول اتجاهات الإعلام والتكنولوجيا في عام 2026.

الاستغناء عن «الرأي الآخر»!

يبدو أنّ تغيير الشعار سيكون أول ما يشعر به الجمهور، بعدما كان شعار «الرأي والرأي الآخر» الذي صاغه الإعلامي وأحد مؤسسي القناة جميل عازر، واحداً من مصادر الفخر للعاملين في «الجزيرة»، واستعاد الرعيل الأول من الصحافيين الذين أسسوا القناة الإخبارية حضوره ودلالاته مراراً. لكن الشبكة القطرية أعلنت، في واحدة من أبرز مفاجآت تجديد هويتها، التخلي عن الشعار الذي رافقها طوال ثلاثين عاماً، واستبداله بآخر هو «الآن... المعنى... الإنسان».

وربما هذا أول غيث التغيير بعدما كان شعار «الرأي والرأي الآخر»، تعهداً تحريرياً قدّمته «الجزيرة» لجمهورها، واختصرت فيه تصورها لدورها الإعلامي. في المقابل، ينقلها الشعار الجديد إلى ثلاث مفردات مختلفة: «الآن» بوصفه زمناً للحضور والمواكبة، و«المعنى» بوصفه غاية تتجاوز نقل الخبر، و«الإنسان» بوصفه مركز الحكاية. لا يعدو ذلك كونه شرح المشروح من دون تقديم «القيمة المضافة» للمشروع الإعلامي الأول في المنطقة العربية. فالانتقال من شعار يضع تعددية الآراء في صلب العمل الإعلامي في العالم العربي الذي يعاني مشكلات في حرية الرأي والتعبير عبر تاريخه، إلى آخر يتمحور حول الآنية وتحليل الأخبار والإنسان يفتح باباً لقراءة التحول الذي تريد الشبكة تقديمه باعتباره تحولاً مغرقاً في الشكل على حساب المضمون.

فلسطين خارج الصورة

أول الغيث الذي تظهره التغييرات ما جاء على لسان مدير الأخبار رائد فقيه، متحدثاً عن توجه «الجزيرة» في المرحلة المقبلة، انطلاقاً من إرثها التحريري: «نوسّع مساحة القصة الإخبارية، ونمنح تنوع الأحداث ووجهات النظر حضوراً أكبر»، مثيراً تساؤلات بشأن موقع القضية الفلسطينية في خريطة التغطية الجديدة. منذ أشهر، تبدو فلسطين في تغطية الشبكة أقرب إلى ملفّ من ملفات الصراع الإقليمي، تتناوله إلى جانب ما يجري في العراق وسوريا واليمن وليبيا، والحرب الأميركية الإيرانية، بعدما كانت تحتل موقعاً مركزياً في خطاب «الجزيرة» الإخباري. بل إنّها بنت سمعتها على إدانة الغزو الأميركي للعراق، وتغطية العدوان الإسرائيلي في «تموز» قبل أن تتحول إلى مساوي المعتدي بالمعتدى عليه.

استقطاب عدد من الصحافيين السوريين من أصحاب الخطاب الطائفي

سبقت هذه المؤشرات تسريحات طاولت عدداً من المراسلين المتعاونين مع «الجزيرة» في قطاع غزة، في إطار ما وصفته الشبكة بإعادة الهيكلة. وكنّا نقلنا تفاصيل قضيتهم، وما جرى بينهم وبين إدارة القناة التي عملوا لمصلحتها، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن طريقة تعامل الشبكة مع مراسليها في القطاع.لم تكن هذه التسريحات المؤشر الوحيد إلى تراجع حضور فلسطين في المشهد الجديد. في اليوم الذي خصصته «الجزيرة» للاحتفال بما حققته خلال ثلاثة عقود، غابت فلسطين بوصفها قصة إخبارية رئيسية. كان لافتاً أن تكتفي الشبكة بذكر شهيد أو اثنين من شهدائها في غزة، ضمن استعراض لشهدائها الذين سقطوا خلال تغطياتها في العراق وليبيا وفلسطين وسوريا، من دون الإشارة إلى الحجم الكبير للخسائر البشرية التي تكبّدتها في القطاع. المفارقة أن صورة الشهيد أنس الشريف تصدّرت صور شهداء الشبكة، فيما سُرِّح زملاء وأقارب له من الشبكة بعد تراجع أهمية الحدث الفلسطيني في قطر، فغابت فلسطين عن صدارة الحكاية التي روتها «الجزيرة» عن نفسها.

انتهى «ربيع» الشبكة القطرية

المنعطف الأكبر الذي تعيشه الشبكة، التي قامت على مشروع إحياء الإسلام السياسي في المنطقة باعتبارها الراعي الإعلامي للحراكات الشعبية خلال ما عرف بالربيع العربي، هو ما يبدو أنه تخلٍّ عن فكرة الإسلام السياسي والربيع العربي معاً بشكل مشابه «للتكويع» الذي قام به الرئيس السوري أحمد الشرع مع وصوله إلى رأس السلطة في سوريا. غابت المقولات المتعلقة بحاكمية الإسلام والعدالة الاجتماعية التي اعتمدت عليها «الجزيرة» في إدانة تجارب الأنظمة في الدول القومية، خصوصاً مصر وسوريا. علماً أنّ أول برنامج بثّته «الجزيرة» بعد انطلاقتها في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1996 هو برنامج قدّمه أحمد الشيخ ثم خلفه أحمد منصور، وقامت فكرته على استضافة العلماء والمفكرين المعنيين بالشأن الإسلامي للحديث عن قضايا الساعة التي يعيشها الناس وعلاقتها بالشريعة والإسلام، وحقق مشاهدات وشهرة كبيرة، خصوصاً ضمن حلقات الشيخ يوسف القرضاوي.

وفيما يبرّر بعضهم أنّ التغييرات في السياسة التحريرية هو استجابة للضغوط الأميركية بعد «طوفان الأقصى»، إلا أنّ ذلك لا يبرر استقطاب القناة لعدد من الصحافيين السوريين من أصحاب الخطاب الطائفي ضمن طاقمها الجديد، كمعاذ محارب الذي يرد في تقرير معمّق في منصة «صوت سوري» وهو يرصد أنماطاً من خطاب الكراهية في الإعلام الرسمي، ضمن برنامج قدمه محارب على التلفزيون الرسمي السوري. كما خصّصت «الجزيرة» برنامجاً لقتيبة ياسين، المتورط في خطابات تحريض ضد ناشطات في سوريا. ويقدم ياسين برنامجه بوصفه قائماً على الصحافة الاستقصائية فيما لا يعدو كونه جزءاً من خطاب دعائي مدافع عن النظام السياسي الجديد في سوريا. فهل انتقلت «الجزيرة» من تمثيل الشارع إلى تمثيل السلطة للمرة الأولى في تاريخها؟

ظل الأمير في التحرير

ليس حضور العائلة الحاكمة في احتفالات «الجزيرة» أمراً جديداً أو طارئاً؛ فالشبكة تُقدَّم منذ تأسيسها بوصفها أحد المشاريع الإعلامية التي ارتبطت برؤية الأمير القطري السابق حمد بن خليفة آل ثاني. لكن الاحتفال الأخير أعاد تأكيد هذا الارتباط، إلى حدّ تقديم عودة «الجزيرة» إلى سوريا بعد سقوط النظام بوصفها ثمرة إيمان الأمير بالمشروع. وقد استُحضر في إعلان ترويجي للشبكة ولعملها في سوريا، إذ نقلت الحكاية من سياق مهني يتعلق بعودة مؤسسة إعلامية إلى بلد شهد تغيراً سياسياً كبيراً، إلى سياق يرتبط برؤية الحاكم ودوره في تحقيق هذه العودة لبلد آخر كان خصماً سياسياً له. وقد اعترف وزير خارجيتها لاحقاً بتمويل مساعٍ لإسقاط النظام في سوريا، مستخدماً عبارة «صيدة تهاوشنا عليها».

مع ذلك، شدد رئيس مجلس إدارة شبكة «الجزيرة» الإعلامية، الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني، على استقلالية الشبكة في كلمته خلال الاحتفالية. واستند في ذلك إلى طبيعة العلاقة بينها وبين النظام الحاكم في قطر، مشيراً إلى أنّه رغم تمويل «الجزيرة» الحكومي، إلا أنّها تتمتع باستقلالية أكبر من مؤسسات إعلامية أخرى، مثل «بي. بي. سي»، لأن النظام الأميري لا يتدخل في عملها، على حدّ تعبيره. لكن هذا التأكيد يفتح النقاش حول حدود الاستقلالية التي تتحدث عنها الشبكة، ولا سيما في ضوء إجراءات طاولت عدداً من العاملين والمتعاونين معها خلال تغطية العدوان الأميركي على إيران، من بينهم الباحثة فاطمة الصمادي وآخرون، استُبعدوا لتقديمهم رواية مخالفة للرواية القطرية الرسمية.

وتظهر حالات أخرى هذا النقاش من زاوية مختلفة. فقد نشر الإعلامي والباحث بشار اللقيس أنّ «الجزيرة» حذفت مقاله «عنقاء الجنوب... قصة عودة «حزب الله» من تحت الرماد»، بعد أشهر من التأخر في نشره، وبعد دقائق قليلة من إتاحته على موقع الشبكة. ويتناول المقال عودة القدرات القتالية لـ «حزب الله». وتعيد هذه الواقعة، إلى جانب حالات أخرى تتصل بحذف مواد منشورة أو تقييد نشرها، طرح مسألة حدود القرار التحريري داخل الشبكة، والجهات التي يمكن أن تؤثر فيه.

ثمة فرق بين استقلال المؤسسة عن التدخل المباشر في القرار التحريري، واستقلالها عن البيئة السياسية التي تعمل وتموّل ضمنها. وقد تنفي إدارة «الجزيرة» تدخل النظام الأميري في تفاصيل عملها اليومي، لكن ذلك لا ينهي النقاش حول طبيعة العلاقة بين المؤسسة والسلطة التي أنشأتها وتموّلها، ولا حول انعكاس هذه العلاقة على خياراتها التحريرية.

وختاماً، كان لافتاً أن تنشر إحدى منصات «الجزيرة» الرقمية جزءاً من إجابة مدير التحرير في القناة، رائد فقيه، عن سؤال «هل غيّرت الجزيرة جلدها؟». بدا السؤال مدخلاً إلى نفي هذا التحول واستعراض مبرراته، لكن التعليقات حملت انطباعاً مختلفاً؛ إذ وافق عدد من متابعي القناة على أنّ «الجزيرة» غيّرت جلدها وبوصلتها بالفعل. وبين تأكيد الإدارة استمرارية هويتها، وشعور شريحة من جمهورها بأنها لم تعد القناة التي عرفتها، تتكشف فجوة تستحق التوقف عندها لاكتشاف «المعنى» خلف موجة التجديدات التي طرحتها «الجزيرة» في عيدها الثلاثين.