سلمى مصفي في بيروت: موعد مع زياد

تستعيد المغنية اللبنانية سلمى مصفي علاقتها الفنية بزياد الرحباني، من خلال حفلتين في «مترو المدينة» يومي 7 و8 من الشهر الحالي، تقدّم خلالهما أعمالاً من ألبومي «مونودوز» و«سلمى نوفا» بتوزيعات جديدة. تتحدث عن تجربتها معه في المسرح والإذاعة والتسجيلات، وكيف ساعدها على اكتشاف إمكانات صوتها والانتقال من موسيقى البوب إلى الجاز

بعد خمسة وعشرين عاماً على صدور ألبوم «مونودوز»، تحيي المغنية اللبنانية سلمى مصفي حفلتين في بيروت، بغياب زياد الرحباني. ورغم حماسة الجمهور للحفلتين، تشعر مصفي بالحزن لفكرة الوقوف على المسرح من دون زياد. لكنه سيحضر في برنامج الحفلة، خصوصاً أغنيات ألبوم «مونودوز».

«مونودوز» على المسرح

تشارك سلمى في الحفلتين مجموعة من الموسيقيين الفرنسيين، إلى جانب الموسيقي اللبناني ريان النقور وابنها سامي. واختارت الاستعانة بموسيقيين أجانب بدلاً من الموسيقيين اللبنانيين الذين رافقوا زياد في أعماله، بسبب المسافة وصعوبة تنظيم التدريبات، إذ إن إقامتها في باريس حالت دون التعاون مع الموسيقيين في لبنان.

ويضم برنامج أغنيات من ألبومي «مونودوز» و«سلمى نوفا»، بتوزيعات جديدة تحافظ على هوية الأعمال الأصلية. فمصفي لا تتعامل مع هذه الأعمال باعتبارها نصوصاً موسيقية ينبغي إعادة إنتاجها حرفياً، معتبرةً أن التفسير الموسيقي قد يختلف بين فنان وآخر، وأن كل أداء يحمل شيئاً من شخصية من يقدمه، من دون أن يفقد العمل هويته. وتقول إن المستمع سيعرف فوراً أنه يستمع إلى «مونودوز»، حتى لو اختلف التوزيع أو أسلوب الأداء. وتؤمن بأن موسيقى زياد يجب ألا تبقى حبيسة التسجيلات والإذاعات، وينبغي أن يغنيها الناس ويعزفوها ويستمعون إليها على المسارح.

قبل أيام من الحفلتين، نشرت سلمى مصفي عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو من تسجيل ألبوم «مونودوز»، يظهر فيه ابنها سامي إلى جانبها وزياد الرحباني، وكان يبلغ آنذاك عامين ونصف عام. وفي الحفلتين المرتقبتين، سيقف سامي إلى جانب والدته لأداء أغنيتَي «Un verre chez nous» و«أسعد الله مساءكم» و«ما بتفيد» وكورس «دعوى ضد مجهول».وجاءت مشاركته الأولى في حفلة باريسية، بعدما احتاجت المجموعة إلى صوت إضافي لأداء بعض الأغنيات. اقترحت عليه والدته الانضمام إليهم، لكنه أجاب بأنه لا يغني، فهو في الأساس عازف درامز. أقنعته بأن صوته جميل وأنه يستطيع الغناء إذا تدرب، فوافق. وبعد التدريبات، جاءت التجربة جميلة، وأعجبتها طريقة امتزاج صوتيهما.

ألبوم تأخر عشر سنوات

لم يقدم زياد وسلمى سوى ألبوم واحد، وفي الأساس استغرق إنجازه نحو عشر سنوات. ففي كل مرة كان زياد يقترح عليها العمل على الألبوم، كانت ظروف الحياة والعمل والسفر تؤجل الفكرة. وتقول مصفي إن الحديث عن إنجاز الألبوم كان يتكرر، ثم يأتي عمل آخر أو يسافر أحد أفراد المجموعة أو ينشغل الجميع بمشاريع مختلفة.وبعد سنوات من التأجيل، قررت هي وزياد استغلال فرصة وجودها خلال إحدى الفترات الصيفية في بيروت، وبدأَ فعلياً بالعمل. كتبت الأغنيات مع بدء العمل الفعلي على الألبوم. أما أغنية «ما بتفيد»، فسجلت لدى عودة مصفي إلى بيروت لاستكمال اللمسات الأخيرة للألبوم، حين أخبرها زياد أنه كتب أغنية جديدة وطلب منها تسجيلها في اليوم نفسه.تحتل أغنية «بلاك أند واي» مكانة خاصة عند سلمى، التي أحبت تأديتها بدايةً بمرافقة البيانو وحده، فيما فضّل زياد أن ترافقها الفرقة الموسيقية. وبعد تنفيذ النسختين، ضُمّت الأغنية إلى الألبوم بصيغتين، واحدة بمرافقة البيانو وحده، وأخرى مع الفرقة.

إحدى أبرز قدرات زياد كانت اكتشاف إمكانات الآخرين

تعكس هذه التفاصيل طبيعة العلاقة الفنية التي جمعت مصفي بزياد، والتي لم تقتصر على تنفيذ ما يطلبه منها. فقد كان يستمع إلى رأيها، ويتيح لها إبداء ملاحظاتها، حتى إن لم يأخذ بها. ولا ترى مصفي أن الاختلاف في الرأي كان مشكلة في العمل معه، فهو كان يعرف ما يريد ويملك تصوراً واضحاً عن الموسيقى التي يعمل عليها.لم يكن زياد ولا سلمى يتوقعان النجاح الذي حققه الألبوم. وتقول إن ما كان يشغلهما في البداية هو إنجاز العمل وتقديم الموسيقى التي يحبّانها، حتى إن استمع إليها شخص أو شخصان فقط. لم يكن النجاح الذي حققه الألبوم متوقعاً بالنسبة إليهما.

من البوب إلى الجاز

لا تتفق سلمى مع الصورة التي يقدمها البعض عن زياد، باعتباره شخصاً صعباً ودقيقاً جداً في العمل. فهو، بالنسبة إليها، كان يعرف ما يفعله، ويعرف أيضاً ما يمكن أن يستخرجه من الفنانين الذين يعمل معهم. وإحدى أبرز قدراته كانت اكتشاف إمكانات لدى الآخرين، لم يكونوا يعرفون بالضرورة أنهم يمتلكونها.وتستعيد مصفي كيف ساعدها على توسيع تجربتها الغنائية. ففي بداياتها، كانت تغني باللغة الإنكليزية، ولم تكن معتادة على الغناء بالعربية. لكن العمل مع زياد أتاح لها اكتشاف إمكانات صوتها في مساحات مختلفة، والانتقال بين أنماط موسيقية متعددة. وقد نقلها زياد من موسيقى البوب التي كانت تغنيها خلال دراستها الجامعية إلى الجاز، وفتح أمامها مساحة لتجربة الغناء بالعربية. وتوضح أن زياد كان يعرف كيف يستخرج من الفنان ما لا يعرف هذا الأخير أنه موجود في داخله.

اختلفت تجربة سلمى في العمل مع زياد بين المسرح والإذاعة والتسجيلات الموسيقية. كان المسرح الأصعب، إذ تطلب تدريبات يومية وعروضاً على مدى أشهر، فضلاً عن الجهد الذي يستلزمه التحضير. في المقابل، كانت جلسات تسجيل برنامج «العقل زينة» الإذاعي أكثر متعة بالنسبة إليها، وكانت تستمتع بالعمل خلالها.وتستعيد أيضاً مسألة استخدام اسمها الكامل في البرنامج. فعندما عرض عليها زياد المشاركة، أخبرها بأنه ليس مضطراً إلى وضع اسم العائلة، لكنها أصرت على استخدامه. وبعد ذلك، تحدثت مع عائلتها، فطلب منها والدها عدم وضع اسم العائلة تجنباً للمشكلات. لكنها لم تكن تخشى تداعيات المشاركة في البرنامج، وتمسكت بقرارها.

المغامرات مع زياد لا تنتهي

آخر تعاون فني بينهما كان عام 2019، خلال جولة زياد الفنية في أوروبا. تصف مصفي اللقاء بأنه كان مؤثراً وعاطفياً، لكنها لم تشعر بأن طبيعة العمل معه تغيرت رغم مرور السنوات. بقي زياد على حاله، مستعداً للمغامرة ولا يخشى خوض تجارب جديدة. وخلال إحدى الحفلات، طلب منها أداء أغنيتين لم تتدرب عليهما، قبل دقائق قليلة من صعودها إلى المسرح. أخبرته بأنها لا تعرف الكلمات، لكنه طلب منها أن تصعد وتؤديهما، مؤكداً أنها قادرة على ذلك.

قبل حفلة بيروت، تحيي سلمى حفلة في عمّان، ثم تعود إلى العروض في باريس ولندن ومدن أخرى. كما ترغب في العمل على ألبوم جديد. وهنا تستعيد في هذا السياق ألبوم «سلمى نوفا»، الذي أنجزته في فرنسا عام 2006، خلال مرحلة صعبة من حياتها. كانت قد انتقلت مع عائلتها إلى لبنان، ثم اندلعت الحرب، فوضعت أغراضها في صناديق وبقيت على هذه الحال ستة أشهر. وعندما عادت إلى فرنسا، قررت استئناف العمل الموسيقي، فكتبت كلمات الأغنيات وأنجزت الموسيقى وسجلت الألبوم.

حفلة سلمى مصفي: 7 و8 تشرين الثاني (نوفمبر) ــ «مترو المدينة» (الحمرا ـ بيروت) ـ للاستعلام: 76/309363