في إرادة الحياة

في إرادتنا للحياة تتحول الأماني إلى حقائق والآمال والطموح إلى واقع بفعل إرادتنا وبدور قوتنا في التحول إلى الأفضل ومن ثم الوصل إلى المبتغى والهدف، إذ يقول أبي القاسم الشابي: وَمَنْ يتهيب صُعُودَ الجِبَـالِ.. يَعِشْ أبَدَ الدَهرِ بَيْنَ الحُفرْ ولهذا يظل الإنسان الطامح المقبل على الحياة في تخطي دائم لكل الصعاب ويتنكب المشاق للوصول إلى المعنى فتجده لا يكف الحديث عن إرادة الحياة وخوض غمارها بروح مفعمة بالأمل وحالات من الابتهاج والقناعة والرضاء وعظيم الانتماء والتبعية للحب ويفيض على نفسه في كل جنبات الحياة بوِثارٍ من السعادة، فحينما نستحضر خطاب الإرادة ونتمثله بالمعنى النابه وبوعي فاطن نجد تحفيزاً لاستقبال الحياة لنعيش تجربة فريدة في كنفها فلا يجب أن نتجرد من حالات الرضا والقناعة وحالات الطموح ورسم ملامح الاستبشار في وجوهنا،لأن حالات الاستبشار جالبة للسعادة وباعثة لطاقة حيوية دافعة نحو الحياة، فالحياة لينة ومهيأة وميسرة متى ما عشنا الإرادة واستحضرنا وقودها في عقولنا وفي ضمائرنا، لان فطنة العقل ويقظة الضمير يضعان الإنسان في مسار يفضي به نحو خطوات تتالى في حيوية فاعلة مع كل متغيرات الحياة وبالتالي تكون الحياة منقادة لنا وفقا لدلالها «حياة»، ولان ومؤداها الأخير هو استمرار وعطاء ونماء، وفي حقيقة الأمر نحن من يفّتعل حالات العُسر وكدر أوقات الحياة بغياب الإرادة بملّمحها اللافت، ولكي نعيش تلك الأبعاد المبهجة ونتعايش مع كل المتغيرات الحياتية التي قد يتكدر فيها صفو العيش أحيانا، علينا أن نمسك بزمام الإرادة التي نتخطى بها مواجعنا وما يثبط جهدنا، فالحياة الحقيقية حين نعيشها حقا تتشكل لنا ملامح السعادة والرضاء وانشراح الخاطر والتفاؤل وأن نعيشها برغبة وشوق ممتد لا ينتهي على قول الشاعر أبو القاسم الشابي: وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ.. تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر علينا أن نتجاوز صور الحياة المفجعة بالصبر والإرادة، وان نمد الصلات والجسور والفاعلية لتمتد نحو هذه الحياة ،لان إرادة الحياة لا يقتصر أثرها عليك، بل تتجاوز لغيرك ممن يدرج في جنباتها، ويتحقق معنى الحياة لك ولغيرك، وآن لنا أن نفسح في الأفق مساحة لندلف من بوابة إرادة الحياة ونعيش تلك الأجواء المفعمة بالمحبة بعيدا عن الهموم والاكراهات التي تعترض منافذ سبل حياتنا كل يوم، وأول عتبة للولوج إلى ذلك العالم المنشرح تكون بدايته الإرادة الصادقة والعصامية التي لا تتكئ على مال مكتسب ولا جاه موروث وتتبدى في ملامحنا وقسمات وجوهنا، الإرادة التي نستشعر فيها معنى كبد الحياة، الإرادة التي تنضح بالقوة وتشع بالصبر. إن إرادة الحياة تمنحنا تجربة فريدة تبعدنا عن عزلة الذات والانطوائية بجوانبها النفسية غير المتوازنة، وتضعنا في زمن الصفاء وتجعلنا نعيش على مدار العمر بقلب الصبر والعزيمة والإصرار، وحين تكون الإرادة ينبثق النور ويتسع أفق الحياة ونتجاوز بها إلى ساحة الواسعة لحقيقة الحياة على مساحتها العريضة لنصل إلى عنوان جميل ولوحة بارعة من الجمال، الإرادة التي نعيش من خلالها الحياة الحقيقية التي تبتعد عن قتامة الوجه وعبوسة،وتبعدنا عن البؤس وضيق النفس وقصر الوقت ،وتبعدنا عن تجاعيد جفوة الزمن مهما كانت التقلبات فهي دليل لعنوان السلوك الايجابي وطاردة للسلبية وموثقة لعرى العلاقة مع الذات،وفي كل خياراتنا تبقى الإرادة هي الأجمل والأفضل والأعم والأشمل للوصول إلى عطاء ناجز ويتعدى إلى الآخرين،فالإرادة بذور لفصل جديد تزهر في واحتها انجاز يستحق أن يشار إليه ويخلد فيه عطاء الإنسان ،لأنها ذخيرة لعطاء العُمر واستمرار لدوره، وبها يكتمل نصاب الانجاز ويتجدد بها مراحل عمر الإنسان.