فدك (الحائط).. طبقات التاريخ وتكرار زيارة الكاتب لها – د. تنيضب الفايدي

من عام 1407هـ والكاتب يتجول في قرى المدينة النبوية وقرى المناطق المجاورة لها، خاصة القرى الأثرية، حيث جال في منطقة حائل عدة مرات؛ لأنه أحبّ حائل وأحبّ أهلها وتاريخها، فكم قطع من مسافات بين قراها، فتارة الشويمس، وتارة الأجفر والبعائث، وتارة توارن وتارة سميراء وفيد، أما فدك (الحائط) فقد وقف عليه بصحبة بعض الأهالي، ويفتخر الباحث بأنه خريج ثلاث جامعات بعد أن كان الأول في معاهد المعلمين الثانوية (1390هـ) حيث نال شهادتين بجامعة الملك سعود (الرياض)، إحداهما ممتاز، ثم نال شهادة الماجستير في التربية من جامعة الملك عبد العزيز (ممتاز)، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في التربية من كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (ممتاز)، لذا فإن كلّ ما يكتبه موثقّ وصحيحٌ، ففي عام (1433هـ/2012م) أصدر كتابًا أدبيًا علميًا (حاتم الطائي.. سيرته وثقافة عصره)، وقد حوى هذا الكتاب بين دفتيه العمق الثقافي والمبادئ الأخلاقية والقيم الوطنية التي سادت في عصر حاتم الطائي بصياغة أدبية فريدة موثقة بالمصادر والمراجع (ما يقارب مائة مرجع)، ولم يؤلف حتى تاريخه أي كتاب يصل إلى مستواه، سواء في قوة السبك وجزالة الأسلوب، أو نصاعة اللفظ وصدق العبارة وأمانة المصدر، فقد لاقى القبول بين المثقفين، وإدراكًا لأهمية الكتاب فقد تمت ترجمته من قبل النادي الأدبي بحائل إلى اللغتين: اللغة الإنجليزية واللغة الصينية.

ثم في عام 1438هـ أصدر كتابًا علميًا موثقًا بالمراجع (221 مرجعًا) (حائل.. بصمات التاريخ السياحة المستقبل) يشمل الجوانب المتعددة لمنطقة حائل، ويعتبر الكتاب تاريخًا موثقًا لمنطقة حائل وقراها، فلا يوجد مثيلًا له فيما ألف عن منطقة حائل، حيث لم يسبق أن ألف عن منطقة حائل مثله أو في مستواه من قبل، ولن يصدر أيضًا إلا إذا اتخذ مثالًا من حيث المراجع وغيرها، فهو كتاب علمي ثقافي، كما أنه أدبي رائع، حتى إن مقدمة الكتاب تمت الاستفادة منها حيث تتم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وتوزع على رالي حائل؛ لأنها تعطي معلومات وافية عن حائل، ويعتبر الكتاب ثروة مرجعية أساسية للباحثين والباحثات لتاريخ منطقة حائل الحبيبة، وقد أهدى الكاتب النسخة الأولى لأمير حائل آنذاك صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبد المحسن آل سعود وقد أثنى عليه.

كما جمع الكاتب الكثير من المعلومات قديمًا وحديثًا عن فدك (الحائط) وكان على أساس أن يطبع كتابًا مستقلًا وهو جاهزٌ حاليًا، لكن بعض الأمور ثبطت الكاتب عن طباعته.

وفدك اسمها القديم، وحاليًا تسمى الحائط نسبة للسور الذي يحيط بجوانبها من كلّ جهة، ولها تاريخٌ موغلٌ في القدم، حيث جاء ذكر فدك في بعض المصادر البابلية القديمة حيث ذكرت حملة للملك البابلي (نبونيد) على بعض مدن شمال الجزيرة عام 556 قبل الميلاد ومنها (باداكو) والتي يرجح الباحثون أنها فدك. ولها قصص وأخبار في التاريخ الإسلامي، والنسبة إليها فدكي.أما موقعها فهي تقع في الطرف الجنوبي الغربي لمنطقة حائل، وهي محافظة من فئة (ب) تابعة لمنطقة حائل. وهي في منتصف المسافة بين المدينة المنورة وبين حائل، تبعد عن حائل (240) كم. وتقول بعض المراجع أن فدك قد بناها فدك بن حام بن نوح عليه السلام، وقيل: إن الذي بناها هو فدك بن عمليق، وكلا الرجلين ضارب في التاريخ.

وكانت فدك تعج بالحياة حتى أن ملك البابل نبونيد قد ضم المنطقة التي تشمل فدكا إلى مملكة بابل خلال فترة حكمه عام (556-539ق.م). وظهرت كثير من الأسماء البابلية ومن أشهرها: (يديع) (الحويط)، فداكو (فدك)، ديدان (العلا)، تيماء، فيد، يثربو، سميراء، زرود. وضم نبونيد فدك تحت سيطرته لهو دليلٌ على موقعها الإستراتيجي، حيث تمثل مركزًا اقتصاديًا مؤثرًا في حركة القوافل التجارية في الجزيرة العربية وخارجها؛ لأن نبونيد أراد بإدخال فدك تحت سيطرته احتلال أهم المراكز الاقتصادية شمال غرب الجزيرة العربية رغبة منه في فرض سيطرته التامة على مجريات التجارة وتحركاتها في الجزيرة العربية وخارجها.

ولشهرتها فقد جاء ذكرها في معظم كتب السير والتاريخ، قال ابن شبة في ذكر صدقات علي رضي الله عنه: «وله بناحية فدك واد بين حرّة يدعى رعمه، فيه نخل ووشل من ماء يجري. وله بناحية فدك واد يقال له الأشجن (الاسحن)، وله أيضًا بناحية فدك مال بأعلى حرة الرجلا يقال له القصيبة».

قال ابن إسحاق في فدك: «فلمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله عز وجل بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر، أو بعد ما قدم المدينة فقبل ذلك منهم وكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة؛ لأنه لم يوجف عليها خيل ولا ركاب.

يقول الحربي: «إن طريق فدك من النقرة أقرب الطرق، مسيرة يوم وليلة على جبل يقال له الحِبالة والعوال، ثم جبل يقال له جبار، ثم وادٍ يقال له وادي الغرس، حتى ينـزل يديع، وهي كثيرة الرمان والنخل، وبها عيون كثيرة وأموالها كثيرة».

يقول الحموي في معجم البلدان: «فدك بالتحريك، وآخره كاف، قال ابن دريد: فَدَكتُ القطن تفديكًا إذا نفشته، وفدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم سنة سبع....» ويقول: «..... وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة...».

قال ابن منظور: «فدك القطن تفديكا: نفشه، وهي لغة أزدية، وفدك موضع بالحجاز، وفي المصباح فدك: بفتحتين: بلدة بينها وبين المدينة يومان وبينها وبين خيبر دون مرحلة. قال ابن الفقيه: وفي عالية المدينة قُبا ومما يلي الشام خيبر ووادي القرى وتيماء ودومة الجندل، وفدك وهو أقربها إلى المدينة».

قال الفيروزآبادي في المغانم المطابة: «فَدكُ، بفتح الفَاء والدَّالِ المُهملة، بعدها كافٌ: قريةٌ على يومين من المدينة، أفاءها الله على رسوله في سنة سبعٍ صُلْحًا، وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما نزل خيبر وفتح حصونها، ولم يبق إلا ثلاث، فاشتدَّ بهم الحصار، راسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يُنْزلهم على الجَلاء وفعل، وبلغ ذلك أهل فدك، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أنْ يُصالحهم على النِّصف من ثمارهم وأموالهم، فأجابهم إلى ذلك، فهي ممَّا لم يُوْجَفْ عليه بِخَيْل ولا ركاب، وكانت خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها عينٌ فَوَّارة، ونخيلٌ كثيرة».

وقال السمهودي: «لمّا فتحت خيبر طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلم الأمان على أن يتركوا له البلد، فكانت له خالصة؛ لأنّها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب»‌.

وفي الروض المعطار في خبر الأقطار للحِميرى: فدك معروفة، بينها وبين المدينة يومان، وحصنها يقال له: الشمروخ بقرب خيبر، وقد كان أهل فدك صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على النصف من ثمارها، وكانت له خالصة؛ لأنّه لم يوجف‏ المسلمون عليها بخيل ولا ركاب.

وذكر البكري أن فدك من أعمال المدينة قال: «وأعمال المدينة فدك وخيبر، ووادي القرى، والمروة، والجار، والفرع، ولهذه المواضيع أعمال عريضة واسعة إلا الجار فإنه ساحل».