يبدأ الأمر بتصرفات تبدو في ظاهرها قمة العطف والحنان؛ ربط شريط الحذاء، إعداد الحقيبة المدرسية نيابة عن الصغير، والتدخل السريع لفضّ أي خلاف يواجهه مع أقرانه، غير أن هذه الممارسات، التي يظن الوالدان أنها رعاية مثالية، ليست سوى الخطوة الأولى نحو بناء شخصية هشة واعتمادية، تُجرد الطفل تدريجياً من غريزة المبادرة، وتزرع في داخله قناعة ضمنية بأنه غير قادر على إدارة شؤونه بمفرده، لتتحول الحماية الأبوية من درع أمان إلى قيد غير مرئي يعيق تطوره الطبيعي.
حيث يشير خبراء علم النفس السلوكي إلى أن «الإفراط في التدليل والتوجيه» يصيب مراكز اتخاذ القرار لدى الطفل بالضمور المبكر، فالطفل الذي يُمنع من التجربة بدافع الخوف عليه من الإحباط أو الخطأ، يُحرم في الواقع من فرصة اكتساب المرونة النفسية وتطوير آليات حل المشكلات ومع مرور الوقت، تتشكل متلازمة «العجز المكتسب»، حيث ينتظر الابن دائماً طرفاً ثالثاً يقرر عنه، ويدافع عن حقوقه، وحتى يحدد ميوله واختياراته الشخصية.
تمتد تداعيات هذا النمط التربوي إلى ما وراء جدران المنزل، لتظهر بوضوح عند الاصطدام بالواقع الأكاديمي والاجتماعي، ففي المدرسة وساحات اللعب، يجد الطفل الاعتمادي نفسه مكشوفاً بلا غطاء، عاجزاً عن التعبير عن رأيه أو التكيف مع التحديات اليومية البسيطة، مما يدفعه غالباً إما إلى الانطواء والعزلة هرباً من الفشل، أو إظهار نوبات غضب غير مبررة ناتجة عن شعوره الدائم بالضعف أمام أقرانه الأكثر استقلالية وجرأة.
تتجلى خطورة هذا النهج بصورة أعمق مع التقدم في العمر؛ فالطفل الاتكالي يتحول حتماً إلى مراهق وشاب غير مؤهل لمواجهة متطلبات الحياة الحقيقية، سواء في ميادين العمل أو في العلاقات الإنسانية وحينها فقط، يدرك الآباء حجم الخطأ بعد فوات الأوان، فيتحول العطف المفرط إلى ندم مرير عندما يجدون أنفسهم أمام أبناء في مقتبل العمر يفتقرون لأبسط مهارات تحمل المسؤولية، ويلقون باللوم على ذويهم في كل إخفاق يواجهونه.
إن التربية الواعية لا تعني تمهيد الطريق للطفل وتجريده من العثرات، بل تأهيله للمشي في الطرق الوعرة بثقة وثبات، ويتطلب ذلك شجاعة أبوية تتقبل رؤية الابن يخطئ ويتعثر ليتعلم النهوض مجدداً، من خلال منحه مهام تتناسب مع عمره، وإشراكه في القرارات الأسرية، ودعمه ليكون صاحب المبادرة. فالاستقلال الذاتي ليس رفاهية تربوية، بل هو الحصانة الحقيقية التي يحتاجها الأبناء لبناء مستقبل يقفون فيه على أقدامهم بثبات.
يبدأ الأمر بتصرفات تبدو في ظاهرها قمة العطف والحنان؛ ربط شريط الحذاء، إعداد الحقيبة المدرسية نيابة عن الصغير، والتدخل السريع لفضّ أي خلاف يواجهه مع أقرانه، غير أن هذه الممارسات، التي يظن الوالدان أنها رعاية مثالية، ليست سوى الخطوة الأولى نحو بناء شخصية هشة واعتمادية، تُجرد الطفل تدريجياً من غريزة المبادرة، وتزرع في داخله قناعة ضمنية بأنه غير قادر على إدارة شؤونه بمفرده، لتتحول الحماية الأبوية من درع أمان إلى قيد غير مرئي يعيق تطوره الطبيعي.
حيث يشير خبراء علم النفس السلوكي إلى أن «الإفراط في التدليل والتوجيه» يصيب مراكز اتخاذ القرار لدى الطفل بالضمور المبكر، فالطفل الذي يُمنع من التجربة بدافع الخوف عليه من الإحباط أو الخطأ، يُحرم في الواقع من فرصة اكتساب المرونة النفسية وتطوير آليات حل المشكلات ومع مرور الوقت، تتشكل متلازمة «العجز المكتسب»، حيث ينتظر الابن دائماً طرفاً ثالثاً يقرر عنه، ويدافع عن حقوقه، وحتى يحدد ميوله واختياراته الشخصية.
تمتد تداعيات هذا النمط التربوي إلى ما وراء جدران المنزل، لتظهر بوضوح عند الاصطدام بالواقع الأكاديمي والاجتماعي، ففي المدرسة وساحات اللعب، يجد الطفل الاعتمادي نفسه مكشوفاً بلا غطاء، عاجزاً عن التعبير عن رأيه أو التكيف مع التحديات اليومية البسيطة، مما يدفعه غالباً إما إلى الانطواء والعزلة هرباً من الفشل، أو إظهار نوبات غضب غير مبررة ناتجة عن شعوره الدائم بالضعف أمام أقرانه الأكثر استقلالية وجرأة.
تتجلى خطورة هذا النهج بصورة أعمق مع التقدم في العمر؛ فالطفل الاتكالي يتحول حتماً إلى مراهق وشاب غير مؤهل لمواجهة متطلبات الحياة الحقيقية، سواء في ميادين العمل أو في العلاقات الإنسانية وحينها فقط، يدرك الآباء حجم الخطأ بعد فوات الأوان، فيتحول العطف المفرط إلى ندم مرير عندما يجدون أنفسهم أمام أبناء في مقتبل العمر يفتقرون لأبسط مهارات تحمل المسؤولية، ويلقون باللوم على ذويهم في كل إخفاق يواجهونه.
إن التربية الواعية لا تعني تمهيد الطريق للطفل وتجريده من العثرات، بل تأهيله للمشي في الطرق الوعرة بثقة وثبات، ويتطلب ذلك شجاعة أبوية تتقبل رؤية الابن يخطئ ويتعثر ليتعلم النهوض مجدداً، من خلال منحه مهام تتناسب مع عمره، وإشراكه في القرارات الأسرية، ودعمه ليكون صاحب المبادرة. فالاستقلال الذاتي ليس رفاهية تربوية، بل هو الحصانة الحقيقية التي يحتاجها الأبناء لبناء مستقبل يقفون فيه على أقدامهم بثبات.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.