بين مجازر الساحل السوري وقلق الذات وعزلة ما بعد الثلاثين، تكتب فاطما خضر في مجموعتها «في أُنس الأشياء» (دار النهضة العربية، 2026) قصائد نثرية تستدعي الأساطير وتستأنس بتفاصيل الحياة اليومية. من طرطوس المثقلة بالفقد إلى الأشياء المنزلية الصغيرة، يصبح الشعر وسيلة لمواجهة الموت والاقتلاع، والبحث عن الطمأنينة وسط الخراب.
تخطّ الشاعرة فاطما خضر في مجموعتها الشعرية «في أُنس الأشياء» (دار النهضة العربية ـــ 2026)، نصوصاً نثرية مكثفة تستكشف فيها مناطق التماس بين التفاصيل اليومية الحميمة والمأساة الإنسانية الكبرى، إذ يمثل ديوانها رحلة جمالية تتأرجح بين الألفة الوجودية مع الجمادات والمكان، وبين الفقد والقلق والبحث عن النجاة عبر فعل الكتابة.
تعمل خضر على أسطرة الذات وتفكيك مرثية الشعر، إذ تستهل ديوانها بقسم «في البدء كان الشعر»، مفككةً العلاقة التقليدية مع القصيدة، فالشعر هنا ليس مجرد ترف بلاغي، بل صنو للوجود وأداة للولادة والبعث ضد الموت. تقول في قصيدة «المخلِّص»: «أكتب الشعر.. لأولد.. أكتبه.. لأني أموت»، وتضيف: «أيُّها الشعر نادِ باسمي.. لتزهر كلماتٌ في غابات لساني.. لُمَّني من بين إحالات العدم.. بعثرني بين تأويلات الوجود.. يا حمَّال الأوجه.. يا حمَّال النِّعَم والخطايا».
وتتماهى الشاعرة مع أساطير الخلود الكلاسيكية في قصيدة «عشبة الخلود»، مستدعية شخوصاً مثل بروميثيوس وزيوس وجلجامش، لتعيد صياغتها في أفق شعراني معاصر يضع القصيدة كدليل فعلي لـ»عشبة الخلود»: «يصيح جلجامش: ها هو الشعر قتل الأفعى.. استردَّ الخلود.. أفتح عينيّ.. أتلمَسُّ وجههي.. أثر منقار النسر.. ترك غمازتين على خدَّيَّ.. أتفقد قلبي.. بقايا عشبٍ على صدري.. أنظر حولي.. ها قد مات الإله.. تلاشت الأسطورة.. وبقيت القصيدة».
هذا الوعي بالمتاهة البلاغية يظهر أيضاً في قصيدة «حيوات القصيدة»، حيث تمنح النص النثري روحاً تتعدد حيواتها، فبعد ولادتها تموت لتحيا ثانيةً، إما مهملةً على رفِّ مكتبة تنتظر أن يُعاد لها النبض، أو تكون مبتذلةً كغزل البنات، أو تتواءم مع الموسيقى فتتوسد دفاتر العاشقين وترافق الدروب وليالي القلق، ومنها ما يختار لذة العزلة، وصولاً إلى مرتبة القصيدة المباركة التي «تعيش نجمةً.. يطالها المختارون.. يهابها العابرون على الكلام.. مُشِعَّةً كما سيرتها الأولى، تقمُّصُ الشِّعرِ للشِّعر»، لكن الشاعرة تخشى على القصيدة من أن تصيبها اللعنات، وتُربِكُها مخاوف القصيدة، لذا فإنها تُحيطها بحرز يحميها، والأهم أنها تعيشها.
شؤوم الجغرافيا وجدلية الانتماء
ينتقل الديوان في قسمه الثاني «جذور» إلى قراءة المكان ببعديه الجمالي والتراجيدي. تحضر طرطوس، وبحرها، وجبال الساحل السوري بوصفها المهد والملاذ والألم المفتوح. في «نشيد النور» ترسم فاطما يوتوبيا ساحلية تعمدت بالماء المقدس والزيتون والتين، وتصل الماضي الميثولوجي بالفينيقيين: «يا جبالنا العظيمة.. يا ينابيعك السر.. يا أرض المعنى.. عمدينا بمائك المقدس.. امنحي النور لقلبنا».لكن هذه الجمالية سرعان ما تصطدم بواقع الحرب والمأساة الوطنية في «مرثية ضد النسيان» و«اقتلاع»، حيث يتغير معجم الطبيعة الهادئ ليتحول إلى مرثية صارخة ضد النسيان: «نزفت الطرقات أسماء أحبتنا.. عَجَّلَ النَّحلُ الطَّيُّونَ ليُزهر.. شهقت الأرض.. اختنق الهواء.. مَرَّ الرصاص بنا سحاباً.. مُحمَّلاً بحقد شق السماء».
تجربة نثرية متماسكة تتضافر فيها الذاتية العميقة مع المأساة الجمعية
وتكمل في موضع آخر واصفةً ألم الانتماء والنجاة المصادفة: «من بحر طرطوس أنا.. سمكة غسل الملح جرحها.. بعد نجاتها مصادفة.. من قوائم القتل»، فآذار الأسود ما زال متجدداً في القصيدة، بنقمته وكُفرِه ولا إنسانية ما فعله «التائهون في مستنقع العقائد»، لذلك تجعل خضر من «الاقتلاع» تمزقاً بين الجذور التاريخية الضاربة في الأزل وبين واقع تشوهت فيه الأبجدية ويتجلى ذلك بجمالٍ مُبهر في قصيدتها ملكارت التي تستدعي فيها ذك الإله الفينيقي حامي صور مناجيةً إياه: «ملكارت.. هبني جناحَين.. مكان خنجر آذار في ظهري.. أطير إلى جنَّتي المفقودة.. حيث الشعر إله.. والرِّقَةُ بلاد».
جماليات العزلة بعد الثلاثين
يشكل قسم «وحوش صامتة» وقسم «أصدقائي وأنا» تحولاً ناعماً نحو الداخل الوجداني. تخوض الشاعرة تجربة الاكتئاب والإفراط في التفكير والقلق الجسدي والنفسي، معتبرة إياها «وحوشاً صامتة» تلتهم العمر: «هما توأمان.. وحشان صامتان.. أجهل من منهما كان أسرع.. في نهش عمري».بيد أن نقطة التحول الجمالية تتبدى في الانتقال إلى سن الثلاثين في قصيدة «بعد الثلاثين» و«أنا صديقتي دوماً»، حيث تنساب نبرة النص بالهدوء والوعي بفضل التكثيف والمصالحة مع الذات: «أنا بعد الثلاثين.. أربي الهدوء في.. يخضر الفراغ حبقاً لا يشيخ.. أحمل طفولتي.. أعلمها المشي مجدداً».تتراجع حدة القلق لتفسح المجال أمام نضج الرؤية وتكرار التفاصيل البسيطة كفضيلة وجودية: «مزيد من المشي.. قليل من الانبهار.. كثير من النوم.. قلة في الأصدقاء.. كتب.. كلمات.. ترجمة.. قصائد.. موسيقى أيامي هُمُ.. فضائل التكرار».
شركاء التجربة الإنسانية
تتجلى الخصوصية الأسلوبية الأبرز للديوان في قسمي «تأملات» و«تمارين على الحب»، حيث تتأنسن الأشياء الصامتة والجامدة لتصبح شريكة في التجربة الإنسانية. تقول في «صحبة صامتة»: «أعيش.. في صحبة الأشياء.. حرة من التعلق والجدال.. حضوري خفيف أمام ثقل الكلام.. منحتني الوحدة دلالها».وفي سياق موازٍ تتحول تفاصيل البيت اليومية (الأبواب، الملاعق، الثلاجة، الدفاتر) إلى ملاذ كائن حي ينبض بالحياة والأمان: «تتنفس المنشفة مسامي.. تنسدل ملابسي هائمة.. أزداد رقة.. الثلاجة تناديني.. تشدو الملاعق والصحون.. تحتضن الألفة تعبي»، فالبيت بأشيائه بات ينتظر عناق الشاعرة، لأنه يطمئن بوصولها.
الذَّات الجَمعيّة
ترتكز فاطمة على التكثيف والتجريد عبر صياغة عبارات ومضية تعتمد الإيجاز والتركيز من مثل «في الحب.. أميل إلى لغة العيون.. إيجاز طريق القُبَل»، فضلاً عن التناص الميثولوجي واستدعاء الرموز التاريخية لمساءلة الواقع والمأساة كما في قولها «يا معبد الشفاء.. بنوا بيت الأخوات.. حيث تُسبى الضفائر»، وهناك أيضاً لعب بدلالات الصور المتضادة مع تأمل وجودي خاص، إذ تقول: «صمتٌ أحبَّ كلمةً.. أخرَسَها.. ضوءٌ أحبَّ عتمةً.. أطفأها». تُقدم فاطما خضر في مجموعة «في أنس الأشياء» تجربة نثرية متماسكة تتضافر فيها الذاتية العميقة مع المأساة الجمعية. إنها قصائد تشهد على قدرة الشعر النثري على صناعة حرزٍ ضد الخراب، حيث تنجح الشاعرة في انتشال الطمأنينة من بين أنقاض القلق، وتحويل الأشياء الصغيرة والهامشية إلى أبجدية مكتملة للحب والنجاة.