«الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم». في سبعينيات القرن الماضي، قال وزير الخزانة الأمريكي الأسبق جون كونالي واحدة من أكثر العبارات اختصارًا لعلاقة النظام المالي العالمي بالعملة الأمريكية، لكن السؤال الذي تفرضه لحظة 2026 ليس ما إذا كان الدولار سيظل عملة العالم؛ فهذا أمر آخر أكثر تعقيدًا، وإنما: هل تستطيع الاقتصادات العربية أن تجعل حركة الدولار أقل قدرة على تحديد إيقاع اقتصاداتها؟
في 16 سبتمبر 2026، رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة ربع نقطة مئوية، إلى نطاق 3.75 - 4 في المائة، في أول زيادة منذ يوليو 2023، وبقرار صدر بالإجماع. وفي بيانه، أكد الفيدرالي أن النشاط الاقتصادي الأمريكي يتوسع بوتيرة متماسكة، وأن التضخم ما زال مرتفعًا، وأن الإجراء يستهدف دعم عودة التضخم إلى هدف 2 في المائة.
لكن الاقتصاد العالمي لا يتعامل مع الأرقام الصغيرة دائمًا باعتبارها صغيرة، فالـ25 نقطة أساس لا تتحرك منفردة؛ تتحرك معها عوائد السندات، وتوقعات المستثمرين، وسعر الدولار، وتكلفة الاقتراض، وأسعار الأصول، وشهية المخاطرة، وتدفقات رؤوس الأموال بين الاقتصادات.
وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية العربية، فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا فعل الفيدرالي؟، بل: ماذا يفعل الاقتصاد العربي عندما يصبح المال الأمريكي أكثر كلفة، والدولار أكثر جاذبية، والتمويل العالمي أكثر انتقائية؟، المفاجأة ليست في الرفع، فقد كان رفع الفائدة متوقعًا إلى حد كبير قبل اجتماع الفيدرالي، لذلك فإن قراءة القرار باعتباره مجرد زيادة بمقدار ربع نقطة تفوّت جوهره، والمفاجأة الحقيقية موجودة في المسار الذي فتحه القرار أمام السنوات المقبلة.
توقعات أعضاء لجنة السوق المفتوحة تشير إلى معدل فائدة وسطي يبلغ 4.1 في المائة في نهاية 2026، و4.1 في المائة في نهاية 2027، ثم 3.9 في المائة في 2028، قبل أن يصل المستوى طويل الأجل إلى 3.2 في المائة. وفي الوقت نفسه، رفع الفيدرالي توقعه للتضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 3.7 في المائة لعام 2026، مع توقع تضخم أساسي عند 3.4 في المائة.
أي أن الرسالة ليست: «رفعنا الفائدة»، الرسالة الأعمق هي: (لا تراهنوا سريعًا على عودة المال الرخيص)، وهذه الرسالة أهم من الربع نقطة نفسها، لأن المستثمر الدولي لا يقارن سعر فائدة اليوم بسعر فائدة الأمس فقط؛ بل يقارن المسار المتوقع للعائد والمخاطر خلال الفترة المقبلة، ومن هنا يصبح الدولار أكثر من مجرد عملة، يصبح سعرًا عالميًا لرأس المال، حين يصبح المال الأمريكي منافسًا.
في السنوات التي كانت فيها أسعار الفائدة الأمريكية منخفضة، كان المستثمر العالمي يبحث عن العائد خارج الولايات المتحدة، فقد ذهب جزء من رأس المال إلى الأسواق الناشئة، وارتفعت جاذبية أدوات الدين ذات العوائد الأعلى، لكن عندما ترتفع العوائد الأمريكية، تتغير المعادلة، فالسند الأمريكي، المدعوم بقوة أكبر عملة احتياطية في العالم، يصبح منافسًا أكثر صعوبة للأصول التي تحمل مخاطر أعلى.
وقد ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى مستوى 5 في المائة في أعقاب القرار، فيما ارتفع عائد السندات لأجل عامين إلى نحو 4.734 في المائة، وانخفضت مؤشرات الأسهم الأمريكية في جلسة القرار. كما تراجع الذهب الفوري بنحو 1.19 في المائة إلى قرابة 4,241.59 دولارًا للأونصة.
هذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا: (الأسواق لم تعد تسأل فقط عن سعر الفائدة؛ إنها تعيد تسعير قيمة المال نفسه، وحين يعاد تسعير المال، يعاد تسعير كل شيء تقريبًا).
من أكثر القراءات السهلة للقرار القول إن البنوك المركزية الخليجية «تتبع» الفيدرالي، ثم الانتقال إلى نتيجة مفادها أن الاقتصادات الخليجية ستدفع الفاتورة نفسها، إذًا: الصورة أكثر تعقيدًا.. نعم، الارتباط الوثيق بالدولار يحد من استقلال السياسة النقدية في عدد من الاقتصادات الخليجية، ولذلك انتقلت زيادة الفائدة الأمريكية إلى عدد من البنوك المركزية الخليجية، لكن انتقال سعر الفائدة لا يعني انتقال الحالة الاقتصادية الأمريكية إلى الخليج.
هذه نقطة جوهرية، فالفيدرالي يواجه تضخمًا أمريكيًا أعلى من هدفه، أما دول الخليج فتواجه اقتصادات لها دورة استثمارية مختلفة، وبرامج تنويع اقتصادي واسعة، ومصادر إيرادات مرتبطة بالطاقة، وأوضاع مالية واحتياطية تختلف جذريًا من دولة إلى أخرى. لذلك فإن الرفع بالنسبة إلى الخليج يمكن أن يعني شيئًا مختلفًا: ارتفاع تكلفة رأس المال في وقت تستثمر فيه دول المنطقة بكثافة في البنية التحتية والسياحة والطاقة والتكنولوجيا والصناعة والخدمات. وهنا لا يصبح السؤال: هل تستطيع الحكومات دفع الفائدة؟، بل: كيف ستؤثر الفائدة الأعلى في اقتصاد القطاع الخاص؟
ليس هناك شيء اسمه «أثر عربي موحد» لقرار أمريكي، الدول العربية تدخل هذه الدورة بمواقع مختلفة تمامًا، فهناك اقتصاديات خليجية لديها أصول واحتياطيات وإيرادات دولارية، وهناك اقتصادات تعتمد بدرجة أكبر على الاقتراض الخارجي، وهناك دول تستورد الطاقة، وهناك دول تحصل على جزء كبير من دخلها من السياحة أو التحويلات، وهناك اقتصادات تجمع بين أكثر من عامل. ولهذا يمكن أن يكون ارتفاع الدولار داعمًا في جانب وضاغطًا في جانب آخر.
وهذه ليست مسألة حسابية فقط، إنها مسألة هيكل اقتصادي، ولهذا فإن أفضل استجابة عربية لقرار الفيدرالي ليست البحث عن طريقة لتوقع القرار القادم، وإنما تقليل حساسية الاقتصاد تجاه القرار القادم.
زيادة قيمة الإيرادات الدولارية عند ارتفاع الأسعار
لطالما تعاملت الأسواق مع الذهب باعتباره الطرف المقابل للفائدة، لكن هذه القاعدة أصبحت أقل كفاية لتفسير المشهد الحالي، فارتفاع الفائدة يزيد تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، بينما تؤدي المخاطر الجيوسياسية وتوقعات التضخم وطلب البنوك المركزية إلى دعم المعدن، ولهذا فإن الذهب يعيش اليوم بين قوتين متعاكستين: (قوة العائد الأمريكي من جهة، وقوة البحث عن الأمان من جهة أخرى).
وقد انعكس ذلك سريعًا بعد قرار الفيدرالي، عندما هبط الذهب في جلسة القرار، بالتزامن مع صعود عوائد الخزانة الأمريكية، لكن لا ينبغي تحويل حركة يوم واحد إلى حكم طويل الأجل، فالذهب، مثل الدولار، أصبح جزءًا من معادلة أوسع: ماذا يحدث عندما يصبح العالم أكثر تكلفة وأقل يقينًا؟
وهنا أرى أن النقاش العربي يحتاج إلى تغيير زاويته، فكثيرًا ما يظهر الحديث عن «الخروج من هيمنة الدولار» وكأن الحل هو استبدال عملة بعملة. وهذا تبسيط مخل، فالدولار سيظل في المستقبل المنظور جزءًا أساسيًا من التجارة العالمية والتمويل والاحتياطيات، والحل العربي الأكثر واقعية ليس إعلان القطيعة مع الدولار، بل تقليل الاعتماد على القرار الواحد، وهذا يمكن أن يبدأ من أربعة مسارات:
أولًا: تعميق الأسواق المالية المحلية: كلما استطاعت الشركات والحكومات الحصول على تمويل أطول أجلًا داخل السوق المحلية، قل تعرضها المفاجئ لدورات السيولة العالمية.
ثانيًا: إطالة آجال الدين: الدين القصير هو الأكثر حساسية لتغيرات الفائدة، أما الدين الأطول أجلًا فيمنح المالية العامة والشركات مساحة أكبر للتخطيط.
ثالثًا: تنويع مصادر العملة الأجنبية: السياحة وحدها لا تكفي، والتحويلات وحدها لا تكفي، والنفط وحده لا يكفي، والاستثمار الأجنبي وحده لا يكفي.