لا تكمن قيمة الوقائع التاريخية في وقوعها فحسب، بل في الطريقة التي تُكتب بها. فالحدث الواحد قد يبدو مختلفًا باختلاف الأسئلة التي يوجهها إليه المؤرخ، والمنهج الذي يقرؤه من خلاله. ومن هنا فإن التاريخ ليس سجلًا للأحداث وحدها، بل سجلٌ لطرائق النظر إليها أيضًا. ويُعد غسل الكعبة المشرفة مثالًا دالًا على هذه الحقيقة؛ فهو من الشعائر التي حافظت على صورتها العامة عبر القرون، لكن معانيها في الكتابة التاريخية لم تكن واحدة. فقد رآها المؤرخ المسلم امتدادًا طبيعيًا لخدمة البيت الحرام، وسجلها الرحالة الأوروبي بوصفها مشهدًا فريدًا، ثم أعاد المستشرق تفسيرها في إطار مفاهيم الأنثروبولوجيا والاجتماع الديني. وبين هذه القراءات جميعًا ظل الحدث ثابتًا، بينما تغيرت طرائق فهمه.
ولكي نفهم هذا الاختلاف، ينبغي أن يبدأ البحث بالتاريخ نفسه، لا بتفسيره.
فالكعبة لم تبدأ مكانتها مع الإسلام، بل كانت قبل البعثة أعظم موضع ديني عند العرب، ومركزًا لاجتماع القبائل، ورمزًا لما بقي في ذاكرتهم من ميراث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وإن اختلط ذلك بألوان من الوثنية. ولهذا تولت قريش شؤونها من السدانة والسقاية والرفادة والكسوة، وكانت العناية بنظافتها وتطييبها من مظاهر تعظيمها؛ لأن خدمة البيت كانت من أشرف ما تتنافس فيه القبائل.
غير أن الإسلام لم يبدأ تاريخ الكعبة من جديد، وإنما أعاد بناء معناه. فقد أبقى ما وافق رسالة التوحيد، وصحح ما لحق به من انحراف. فاستمرت شعائر الطواف والسعي وتعظيم البيت وخدمته، لكنها لم تعد مرتبطة بمجد القبيلة أو بقايا الوثنية، بل أصبحت شعائر يتقرب بها إلى الله، واستعادت اتصالها برسالة إبراهيم عليه السلام.
ومن هنا كانت اللحظة الفاصلة في تاريخ الكعبة يوم فتح مكة، حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت الحرام، وأمر بإزالة الأصنام والصور التي كانت فيه. ولم يكن ذلك مجرد تنظيف للمكان، بل إعلانًا بانتهاء مرحلة كاملة من تاريخ البيت، وعودته إلى رسالته الأولى بيتًا للتوحيد. ولذلك ينبغي التمييز بين تطهير الكعبة من الشرك، وهو حدث تأسيسي ارتبط بقيام العقيدة الإسلامية، وبين غسل الكعبة الذي استقر بعد ذلك بوصفه عملًا دوريًا من أعمال خدمة البيت وتعظيمه. وهذا التمييز ضروري؛ لأن الخلط بين الحدثين يؤدي إلى إسقاط معانٍ لاحقة على مرحلة تختلف عنها في طبيعتها ووظيفتها.
ومع اتساع الدولة الإسلامية أصبحت رعاية الكعبة جزءًا من مسؤولية الدولة تجاه الأمة. ففي العصر الراشدي أخذت هذه المسؤولية طابعًا عامًا، ثم ازدادت تنظيمًا في العصرين الأموي والعباسي، قبل أن تبلغ درجة عالية من العناية في العصور المملوكية والعثمانية، وتستمر في العهد السعودي الذي أولى الحرمين الشريفين رعاية خاصة، فانتظمت أعمال الغسل والكسوة وسائر شؤون البيت الحرام في إطار إداري دقيق، مع بقاء جوهر الشعيرة على ما كان عليه.
واللافت في هذا الامتداد التاريخي أن الذي تغير لم يكن معنى الخدمة، وإنما صور تنظيمها. فقد تبدلت الدول، وانتقلت مراكز العالم الإسلامي من دمشق إلى بغداد، ثم إلى القاهرة وإسطنبول، وأخيرًا إلى المملكة العربية السعودية، لكن الكعبة بقيت ثابتة في مكانها، وبقي المسلمون ينظرون إلى خدمتها بوصفها شرفًا تتنافس عليه الدول، لا وسيلة تمنحها شرعية لم تكن تملكها. فالبيت الحرام لم يكتسب مكانته من سلطة سياسية، بل كانت السلطة هي التي تكتسب مكانتها من شرف الانتساب إلى خدمته.
وهذه الحقيقة يبرزها مؤرخو مكة بوضوح، وإن لم يصرحوا بها بهذا اللفظ. فمن يقرأ الأزرقي في أخبار مكة، أو الفاكهي في كتابه عن مكة، أو الفاسي في شفاء الغرام، أو ابن فهد في مؤلفاته المكية، يلاحظ أنهم لم يجعلوا غسل الكعبة موضوعًا مستقلًا، ولم يحيطوه بوصف احتفالي طويل، على الرغم من عنايتهم الدقيقة بأخبار البيت الحرام. فقد انصرف اهتمامهم إلى توثيق من تولى السدانة، ومن جدد الكسوة، وما وقع من عمارة للكعبة أو ترميم لها؛ لأن هذه الأعمال في نظرهم تندرج جميعًا تحت تاريخ خدمة البيت.
ويكشف هذا المنهج عن طبيعة الكتابة التاريخية الإسلامية أكثر مما يكشف عن الحدث نفسه. فالمؤرخ لم يكن يكتب لقارئ يزور مكة لأول مرة، بل لقارئ يعيش داخل ثقافة تعرف منزلة الكعبة، وتعد خدمتها من البديهيات التي لا تحتاج إلى تفسير. ولذلك لم يكن معنيًا بتصوير هيئة الداخلين أو وصف العطور والأواني وألوان الأقمشة، بقدر عنايته بإثبات الوقائع وحفظ الذاكرة التاريخية للحرم المكي.
وقد أشار الفاسي، وهو يتحدث عن عمارة الكعبة وخدمتها، إلى الأخبار المتعلقة بغسلها ضمن سياق السدانة والعمارة، لا بوصفها مناسبة منفصلة تستحق بابًا خاصًا، وهو ما يؤكد أن الغسل كان في نظر مؤرخي مكة جزءًا من منظومة متكاملة لخدمة البيت، لا ظاهرة قائمة بذاتها تحتاج إلى تفسير مستقل.
غير أن الصورة ستتغير حين نخرج من كتب المؤرخين إلى كتب الرحالة الأوروبيين؛ إذ لم يعد الكاتب يصف حدثًا مألوفًا داخل ثقافته، بل مشهدًا يراه للمرة الأولى، ويكتبه لقارئ لا يعرف عن الكعبة إلا اسمها. ومن هنا بدأ غسل الكعبة يكتسب لغة مختلفة، يمهد لمرحلة جديدة في الكتابة عنه.
غير أن الصورة اختلفت حين خرج غسل الكعبة من كتب المؤرخين إلى كتب الرحالة الأوروبيين. فالرحالة لا يكتب تاريخ المكان، بل يكتب تجربة الوصول إليه، ولذلك ينصرف بطبعه إلى ما يثير الدهشة ويلفت النظر. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين الرحالة والمستشرق؛ فالأول شاهدٌ على الحدث، أما الثاني فيسعى إلى تفسيره.
ولهذا جاءت كتابات بوركهارت وبرتون حافلة بالتفاصيل البصرية التي لم تشغل مؤرخي مكة. فقد وصفا هيئة باب الكعبة، وكيفية فتحه، ونظام الدخول إليها، وأواني الغسل، وأنواع الطيب، وحركة السدنة، لأن هذه المشاهد كانت بالنسبة إلى القارئ الأوروبي عالمًا مجهولًا يستحق الوصف. ولم يكن غرضهما بناء نظرية في الشعائر الإسلامية، بقدر ما كان نقل صورة حية لمكان ظل قرونًا طويلة مغلقًا أمام غير المسلمين.
ومن اللافت أن كثيرًا مما سجله الرحالة من تفاصيل لا نجده عند الأزرقي أو الفاسي أو ابن فهد، لا لأنهم جهلوه، بل لأنهم لم يجدوا موجبًا لتدوينه. فاختلاف الوصف هنا لا يعكس اختلافًا في الحدث، وإنما اختلافًا في طبيعة الجمهور الذي كُتِب له. فالمؤرخ المسلم يفترض معرفة قارئه بالمكان، أما الرحالة فيفترض جهله به، ولذلك كان الوصف عند الثاني ضرورة، بينما لم يكن كذلك عند الأول.
غير أن الوصف الرحلي لم يكن نهاية المطاف؛ فما نقله الرحالة بوصفه مشهدًا، أعاد المستشرق الأكاديمي قراءته بوصفه مادة للتحليل. وهنا بدأ التحول الحقيقي في معنى الحدث.
ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ومع صعود الدراسات المقارنة للأديان والأنثروبولوجيا، لم يعد السؤال: كيف تُغسل الكعبة؟ بل أصبح: لماذا تُغسل؟ وما الوظيفة التي تؤديها هذه الممارسة في المجتمع الإسلامي؟ وكان من أبرز من مثّل هذا الاتجاه سنوك هرخرونيه، الذي نظر إلى كثير من الشعائر الإسلامية من زاوية وظيفتها الاجتماعية والسياسية، لا من زاوية معناها الديني كما يفهمه المسلمون.