.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
وصلت عوائد سندات الخزانة في الولايات المتحدة لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 5% خلال سبتمبر 2026، بعدما كانت عند نحو 4.2% في بداية العام. وفي نهاية أيلول/ سبتمبر، لامست العوائد مستويات تتجاوز 5.2%، وهي من أعلى المستويات التي شهدها السوق منذ أكثر من عقد.
سوق السندات يعيش اليوم مرحلة مختلفة تماماً عن حقبة الفائدة المنخفضة التي اعتاد عليها المستثمرون خلال السنوات الماضية. ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل لم يعد مجرد حركة مؤقتة مرتبطة بقرار بنك مركزي، بل يعكس تغيراً أوسع في نظرة الأسواق إلى التضخم، وأسعار الفائدة، والديون الحكومية، وتكلفة الاقتراض.
وفي الولايات المتحدة تحديداً، وصلت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 5% خلال أيلول/ سبتمبر 2026، بعدما كانت عند نحو 4.2% في بداية العام. وفي نهاية أيلول/ سبتمبر، لامست العوائد مستويات تتجاوز 5.2%، وهي من أعلى المستويات التي شهدها السوق منذ أكثر من عقد. وفي الوقت نفسه، ارتفع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى ما يتجاوز 5.5%.
لفهم ما يحدث، علينا أولاً أن نوضح العلاقة الأساسية بين أسعار السندات وعوائدها. العلاقة بينهما عكسية؛ فعندما تنخفض أسعار السندات ترتفع عوائدها، وعندما ترتفع الأسعار تنخفض العوائد.
أحد أهم أسباب ارتفاع العوائد حالياً هو التضخم. عندما ترتفع توقعات التضخم، يصبح العائد الثابت الذي يحصل عليه المستثمر من السند أقل قيمة من حيث القوة الشرائية. فإذا كان المستثمر سيحصل على عائد ثابت لسنوات، بينما أسعار السلع والخدمات ترتفع، فإن القيمة الحقيقية لهذا العائد تتراجع. لذلك، يطالب المستثمر بعائد أعلى حتى يكون الاستثمار في السندات أكثر جاذبية.
وتزداد هذه الضغوط مع ارتفاع أسعار الطاقة. النفط عند مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل يمكن أن يعيد إشعال مخاوف التضخم، لأن ارتفاع تكلفة الطاقة ينتقل إلى النقل والإنتاج والخدمات. وهذا يعني أن الأسواق قد تضطر إلى إعادة تسعير توقعاتها بشأن الفائدة، خصوصاً إذا أصبح التضخم أكثر صعوبة في السيطرة عليه.
وهنا نصل إلى العامل الثاني، وهو توقعات أسعار الفائدة. الأسواق لا تسعّر فقط ما تفعله البنوك المركزية اليوم، بل تحاول دائماً استباق ما سيحدث خلال الأشهر والسنوات المقبلة. فإذا اعتقد المستثمرون أن أسعار الفائدة ستبقى مرتفعة لفترة أطول، فإن عوائد السندات طويلة الأجل ترتفع لتعكس هذه التوقعات. وتشير تحركات عام 2026 إلى أن جزءاً مهماً من ارتفاع العوائد الأميركية جاء من إعادة تسعير توقعات الفائدة، إلى جانب ارتفاع العائد الإضافي المطلوب للاحتفاظ بالديون طويلة الأجل.
لكن قصة السندات لا تتعلق بالتضخم والفائدة فقط. هناك قصة أخرى تتعلق بحجم الدين الحكومي. الولايات المتحدة تجاوز دينها الفيدرالي 40 تريليون دولار، بينما تستمر الحكومة في الحاجة إلى الاقتراض وتمويل العجز وإعادة تمويل الديون القائمة. وهذا يعني أن كميات ضخمة من السندات تدخل السوق باستمرار.
وهنا تظهر معادلة مهمة: كلما زادت حاجة الحكومة إلى الاقتراض، زاد حجم السندات المعروضة على المستثمرين. وإذا لم يكن الطلب كافياً لاستيعاب هذا المعروض عند الأسعار الحالية، فقد تحتاج السندات إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المشترين.
والأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة. في نهاية سبتمبر، كان عائد السندات لأجل 10 سنوات في بريطانيا حول 5.4%، وألمانيا نحو 3.6%، وفرنسا حوالي 4.7%، واليابان قرب 3.1%. وهذا يعكس أن ارتفاع عوائد السندات أصبح ظاهرة أوسع من سوق واحدة.
وهناك عامل آخر مهم يتمثل في تغير دور البنوك المركزية. خلال سنوات التيسير الكمي، كانت البنوك المركزية تشتري كميات ضخمة من السندات، ما ساعد على دعم أسعارها وخفض عوائدها. أما اليوم، ومع تراجع هذا الدعم وارتفاع حجم الإصدارات الحكومية، أصبح المستثمرون الخاصون أمام كمية أكبر من الديون التي تحتاج إلى الاستيعاب.
وفي الوقت نفسه، هناك منافسة متزايدة على رأس المال. الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والطاقة تحتاج إلى تمويل هائل. ومع ارتفاع الطلب على رأس المال من الحكومات والشركات، يمكن أن ترتفع تكلفة التمويل، وهو ما ينعكس في النهاية على العوائد في سوق السندات.
ارتفاع عوائد السندات لا يبقى محصوراً داخل سوق السندات. فالسندات الحكومية طويلة الأجل تشكل مرجعاً مهماً لتسعير العديد من الأصول والقروض. ولذلك، عندما ترتفع عوائدها إلى مستويات مثل 5% أو 5.5%، يمكن أن تصبح تكلفة الرهون العقارية وقروض الشركات وتمويل المشاريع أعلى أيضاً.
وهنا تكمن إحدى أهم المفارقات. ارتفاع العوائد قد يكون نتيجة للمخاوف من ارتفاع الدين، لكنه في الوقت نفسه يجعل خدمة هذا الدين أكثر تكلفة. فإذا كانت الحكومة تقترض بأسعار فائدة أعلى، فإن كل عملية إعادة تمويل جديدة تصبح أكثر تكلفة، ما قد يزيد الضغط على الموازنة ويجعل المستثمرين أكثر حساسية تجاه مستويات الدين المستقبلية.
لذلك، يمكن أن تتحول المسألة إلى دائرة متشابكة: دين أعلى، إصدارات أكبر، معروض أكبر من السندات، عوائد أعلى، ثم تكلفة أكبر لخدمة الدين.
لكن ارتفاع العوائد لا يعني بالضرورة أن سوق السندات ينهار. المهم هو معرفة السبب وراء الارتفاع وسرعته. الارتفاع التدريجي نتيجة تحسن النمو أو تغير توقعات الفائدة يختلف عن ارتفاع حاد ومفاجئ بسبب مخاوف التضخم أو الديون أو الاستقرار المالي.
واللافت في المرحلة الحالية هو أن الارتفاع لم يعد مقتصراً على الولايات المتحدة. في اليابان، وصل عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى حوالي 3.08% في 29 سبتمبر، وهو مستوى مرتفع جداً مقارنة بتاريخ السوق الياباني، بينما تجاوز العائد الألماني لأجل 10 سنوات 3.6%.
وهذا يعكس تغيراً مهماً في البيئة العالمية: المستثمرون لم يعودوا يتعاملون مع الفائدة المنخفضة باعتبارها الوضع الطبيعي الذي سيستمر إلى الأبد. الأسواق بدأت تسعّر عالماً تكون فيه تكلفة رأس المال أعلى، والدين أكبر، والتضخم أكثر حساسية للصدمات، والعوائد المطلوبة على السندات أعلى.
في النهاية، ارتفاع عوائد السندات هو نتيجة تداخل عدة عوامل: التضخم، أسعار الطاقة، توقعات الفائدة، ارتفاع الدين الحكومي، زيادة إصدارات السندات، تغير دور البنوك المركزية، والمخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالديون طويلة الأجل.
والسؤال الأهم لم يعد فقط: إلى أين ستتجه الفائدة؟ بل أصبح: إلى أي مستوى يجب أن تصل عوائد السندات حتى تعوض المستثمر عن التضخم، والدين، والمخاطر، وطول فترة الاستثمار؟