هناك دورانٌ طبيعي في المشهد الثقافي، أمسيات تتكرر، وبرامج تعود، وورش ودورات تتجدد. وهذا في ذاته ليس مشكلة، فكل مشهد ثقافي يحتاج إلى الاستمرار، والاستمرارية لا تعني بالضرورة التغيير الدائم والغربلة الشاملة، واختلاف الرؤية. لكن المشكلة تبدأ عندما لا تتغير إلا التواريخ فقط، الأسماء نفسها، والأماكن نفسها، والموضوعات التي تبدو مختلفة في عناوينها، لكنها تعيد الفكرة ذاتها. وكأن المشهد الثقافي يدخل في دورة مغلقة، يعيد فيها إنتاج نفسه بالأدوات والوجوه والفرص ذاتها دون تغيير. هنا لا يعود التكرار مجرد تشابه في البرامج، بل يتحول إلى سؤال ثقافي أكبر وأشمل وهو : كيف تُدار الفرص في المشهد الثقافي؟ ومن يصل إليها؟ فالفرصة الثقافية ليست مجرد مقعد في أمسية، أو اسم في قائمة متحدثين، أو دعوة إلى ورشة، إنها مساحة تمنح صاحبها إمكانية الظهور والتجربة والتعلم وبناء العلاقات وتقديم ما لديه. وعندما تتكرر الفرص على الأسماء ذاتها، فإن المسألة لا تتعلق بمن يستحق ومن لا يستحق، بقدر ما تتعلق بمدى قدرة المؤسسات على اكتشاف دوائر جديدة من المواهب والطاقات وتقديم الأفكار النوعية. المشهد الذي يعتمد على الأسماء المألوفة يمنح نفسه شعورًا بالأمان، يعرف المتحدث، ويعرف مستواه، ويضمن حضوره، وربما يعرف مسبقًا كيف سيكون شكل اللقاء؟ لكن الثقافة بطبيعتها لا تنمو في مناطق الأمان وحدها دون غيرها، فقد تحتاج للمغامرة والتجديد والتحدي، وأن تمنح الكاتب الذي لم يُدعَ من قبل فرصة، والشاعر الذي لا يعرفه الجمهور مساحة، والباحث الشاب منبرًا، والمبدع القادم من خارج الدائرة فرصة ليثبت نفسه. فبعض الأسماء التي تبدو اليوم حاضرة وراسخة كانت في يوم من الأيام أسماء جديدة لا يعرفها أحد. المشكلة إذن ليست في أن يتكرر اسم ناجح، وإنما في أن يصبح نجاحه سببًا لإغلاق الباب أمام غيره. والأخطر من ذلك أن يتحول تدوير الفرص إلى ممارسة غير معلنة، لا قرارًا مكتوبًا، ولا سياسة واضحة، وإنما عادة تتكرر حتى تبدو طبيعية ومألوفة. ومع الوقت يصبح السؤال: «من سيشارك؟» أسهل من السؤال الأهم: «من لم نمنحه الفرصة بعد؟» وتكون مشاركته إيجابية معنا. هنا تظهر مسؤولية المؤسسات الثقافية والأندية والجمعيات الأدبية، ليس مطلوبًا منها أن تستبدل الأسماء الجيدة لمجرد التجديد، ولا أن تبحث عن الجديد لمجرد أنه جديد، وإنما أن توازن بين الخبرة والاكتشاف، بين الاسم المعروف والصوت القادم، وبين المحافظة على الجودة وتوسيع مساحة المشاركة. وهذا هو المطلوب. فالثقافة ليست ناديًا مغلقًا، ولا جمعية أدبية تحتكر أسماء بعينها، ولا دائرة تتداول مقاعدها بين الأسماء نفسها وفي كل مرة. إنها مساحة مفتوحة، كلما اتسعت دوائرها اتسعت معها الأفكار، وكلما تعددت أصواتها أصبح المشهد أكثر حيوية وقدرة على إنتاج الجديد. قد تكون الفعالية ناجحة، والورشة جيدة، والأمسية ممتلئة، لكن النجاح الحقيقي للمشهد الثقافي لا يقاس بعدد الفعاليات التي أقيمت، بل بعدد الطاقات التي اكتشفها ومنحها فرصة الظهور والمشاركة. الثقافة لا تنمو بكثرة الدوران، بل باتساع الدائرة.