«أطلب الموت، توهب لك الحياة» هذه الوصية وجهها الصديق أبا بكر إلى خالد ابن الوليد – رضي الله عنهما- عندما أرسله قائدا للجيوش في حروب الردة! هي في مدلولها تنم عن عقلية الفروسية والمجازفة التي أشتهر بها العرب والتي ارتبطوا بها وارتبطت بهم. وذلك أن خوض الحياة هو جانب من جوانب المعارك، والتي بدورها تستجلب استفراغ المرء لكامل جهده، وإبراز وافر قوته، ورباطة جأشه، وشحذ همته، والصبر على مرارة تجاربه ،لنيل الظفر وتذوق الإنتصار، وكأن الأمر سيؤدي به إلى الموت والهلكة. تلك العبارة السالف ذكرها تتسم بأسلوب «الطباق» في البلاغة حيث تقوم على المفارقة بين «الموت» و«الحياة»، إذ تجعل من النقيض سببًا لنقيضه، فتأتي قوة التعبير من قلب العلاقة المتوقعة عن الاستعداد لبذل النفس، ومن ثم تكون الحياة ثمرةً للشجاعة والإقدام، وهي لا تتناقض مع التوجيه الإلهي الذي ينهانا عن إيراد أنفسنا إلى التهلكة الحقيقة التي تفنى بها الروح، أو يعطب بها الجسد. وقد تطرّق الطبيب النفسي الوجودي إرفين يالوم إلى هذه الفكرة بصورة لافتة في كتابه: «Staring at the Sun : Overcoming the Terror of Death» التحديق في الشمس ؛ التغلب على الرعب من الموت: الفكرة تقول أن خوف الإنسان من الموت هو محرك خفي يشكل جانبًا كبيرًا من سلوكه. لكن الإنسان حين يصبح أسيرًا لهذا الخوف، يبدأ ببناء حياته على مبدأ الحماية لا على مبدأ الإنجاز؛ فيختار السلامة على المغامرة، واليقين على الاكتشاف، والانسحاب على المواجهة. لذلك يتجزء الموت في خضم الحياة إلى كوابل نفسية وذهنية تسرق من الإنسان حياته وهو لا يزال حيًا. ولهذا يرى يالوم أن مواجهة حقيقة الموت تجعل الإنسان أكثر حياة، لأن استحضار محدودية العمر يدفعه إلى أن يعيش بصدق وشجاعة، بدل أن يؤجل الحياة خوفًا من فقدها. هناك أيضا في الشعر الجاهلي لدى زهير بن أبي سلمى مضمونا يتناسب ذكره في هذا المقام وذلك بقوله: ومَن هاب أسبابَ المَنايا يَنَلنَهُ وإن يَرقَ أسبابَ السماءِ بسُلّمِ هو لا يحض على طلب الموت، لكنه يقرر حقيقة وجودية مؤداها أن المرء لا يمكن أن يفلت من أجله مهما بالغ في الاحتياط والتحرز أو أوغل في حذره، فلو ارتقى إلى السماء بسُلَّم هرباً من مصيره، وهو من باب المبالغة التصويرية، لأدركه مصيره في موعده المقدر. هنا أيضا تقرير بأن الإقدام وبواعثه لن تغير من المصير شيئا كما أن التردد والتواني ليسا كفيلين بإطالة العمر أو سلامة النفس. لحظة ختام: وينسب هذا الطرح للدكتورعماد رشاد حينما قال: «علاج الخوف الوحيد هو التعرُّض التكراري، فتذهب لعكس ما يدعوك إليه صوت الخوف.. أوهمُوك حينما قالوا أن الشُجاع لا يخاف، الشُجاع هو من يفعل الفِعل وهو خائف». عاصم عبد الفتاح