دعوني أحدثكم عن جائزة

قد يبدو اسمها للوهلة الأولى واحدًا من أسماء الجوائز التي تُمنح في مجال اللغة العربية، غير أن الاقتراب منها يكشف عن فكرة مختلفة، وعن مشروع معرفي نوعي يجعل اللغة العربية تعبر إلى ميدان قد لا يتوقع كثيرون أن تكون اللغة فيه طرفًا فاعلًا: ميدان الطاقة والاقتصاد والبيئة. أتحدث عن جائزة كابسارك للغة العربية، التي أطلقها مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية عام 2022، لتكون جسرًا بين اللغة العربية ومجالات البحث والفكر المتخصص، ثم واصلت تطورها عامًا بعد عام حتى بلغت دورتها الخامسة في عام 2026، بالشراكة مع مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية. الجدير بالذكر أن هذه الجائزة تتعامل مع العربية بوصفها أداةً لإنتاج المعرفة ونقلها وإثرائها. إننا حين نتحدث عن خدمة اللغة العربية، قد يتبادر إلى الذهن الشعر والأدب والنحو، وهي مجالات أصيلة لا تنفصل عن عظمة العربية. غير أن العربية أوسع من ذلك؛ فهي اللغة التي تستطيع أن تحمل المعرفة أينما اتجهت، وأن تكون حاضرة في المختبر والجامعة ومراكز البحث وصناعة القرار، كحضورها في الأدب والشعر والخطابة. لذلك تميزت هذه الجائزة بفكرتها اللافتة: أن تخدم اللغة العربية من بوابة الطاقة. وأن تجعل الحرف العربي شريكًا في الحديث عن أمن الطاقة، والتحولات التقنية، والاقتصاد، والبيئة، والذكاء الاصطناعي. في الدورة الخامسة لهذا العام، اختارت الجائزة موضوعًا بالغ الصلة بالمستقبل: «دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز أمن الطاقة» وجاءت المنافسة عبر ثلاثة مسارات: التأليف، والترجمة، والمسار الإثرائي. الأول يتيح إنتاج المعرفة بالعربية، والثاني ينقل المعرفة المتخصصة إلى القارئ العربي، أما الثالث فيفتح بابًا آخر لتبسيط هذه المعرفة وتسهيل انتشارها. وهذا تحديدًا ما يجعلني أنظر إلى الجائزة بعين مختلفة. فأنا اليوم لا أكتب عنها بصفتي متابعة من بعيد، وإنما بصفتي أحد أعضاء لجنة التحكيم. فالأعمال التي تصل إلى لجنة التحكيم يُنظر في أصالتها وجودتها ومدى التزامها بالموضوع وشروط المسار. والجائزة نفسها تؤكد أن الأعمال تخضع لتحكيم متخصصين في اللغة والترجمة والطاقة والاقتصاد. أما أنا أجدني أمام النص العربي بعينين في آن واحد: عينٍ ترى الفكرة والمعرفة، وأخرى ترى اللغة. أتوقف عند الجملة، وأتأمل المصطلح، وأتتبع العبارة، وأنتبه إلى سلامة التركيب ودقة التعبير وعلامات الترقيم، وأبحث عن ذلك التوازن الدقيق بين أن يكون النص متخصصًا دون أن يكون غامضًا، وعلميًّا دون أن يفقد لغته. وهنا أشعر بمعنى آخر للجائزة. إنها تقول للمتخصص في الطاقة: خذ العربية معك. اكتب بها. ترجم إليها. قدّم بها المعرفة. اجعلها دوما سيدة في قلبك وقلمك. فالطاقة تحتاج إلى المعرفة، والمعرفة تحتاج إلى لغة، واللغة حين تكون قادرة على حمل المعرفة تصبح شريكًا في صناعة المستقبل. وهذا هو المعنى الذي أتنفسه وأنا أعمل في تحكيم هذه الجائزة: أن الغاية ليست اختيار نص فائز فحسب، وإنما الإسهام في مشروع أكبر؛ يجعل العربية حاضرة حيث تُنتج المعرفة، وتتشكل الأسئلة الكبرى التي تمس الإنسان والمجتمع والاقتصاد والبيئة والطاقة. إن هذه الجائزة تجسد حقيقة خدمة العربية بالعمل بها، وليس بإطلاق شعارات حول مكانتها فقط. لهذا أكتب عن هذه الجائزة بشيء من الاعتزاز. وأقولها من موقع من قرأ نصوصها، وتأمل أعمال المشاركين فيها، وعاش تفاصيل التحكيم فيها: إن الحرف العربي يستطيع أن يضيء أكثر من صفحة. قد يضيء بحثًا. وقد يفتح باب معرفة. وقد يقرّب علمًا. وقد يشارك في صناعة وعي. وقد يقودنا، في نهاية المطاف، إلى أن نكتشف أن بين الحرف والطاقة صلةً لم نكن نراها من قبل. فالحرف طاقة أيضًا. وحين تُستثمر طاقة الحرف في إنتاج المعرفة، تصبح اللغة العربية جزءًا من المشهد الذي يصنع المستقبل.