علم الأعصاب المعرفي والإعلام – د. يحيى جابر

علم الإعلام يتداخل مع عدة علوم أخرى مهمة وحساسة ومن بينها علم النفس وعلم الاجتماع وكذلك العلوم الطبية النفسية الأخرى من بينها علم الأعصاب الذي يؤثر على المعرفة، وهذا ما يشير إلى أن الإعلام يخاطب النفس البشرية بجميع خصائصها وتنوعها الفكري والصحي والنفسي والاجتماعي، إذ إن هذا العالم والعلم ليس أمرا بسيطا ولا هامشيا يتم إدارته بطريقة بدائية، بل مهم للغاية ولا بد أن يقوم عليه خبراء لديهم الخبرة العملية والعلمية والمعرفة، ولو ذهبنا للدماغ البشري فهو يحتوي على نحو «86» مليار خلية عصبية، ورغم أن وزنه لا يتجاوز قرابة «2 %» من وزن جسم الإنسان، فإنه يستهلك نحو «20 %» من طاقة الجسم، وهو ما يكشف حجم الكلفة التي يتحملها الدماغ في معالجة المعلومات وتنظيم السلوك، «المصدر ـ إريك ريتشارد كاندل، جيمس شوارتز، توماس جيسيل، ستيفن سيغلـباوم، أيه جاي هادسبث، مبادئ علم الأعصاب، الطبعة السادسة، دار ماكجرو هيل للتعليم، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، 2021»، ولذلك لا يستطيع الدماغ التعامل مع جميع الرسائل التي تصل إليه بالدرجة نفسها، بل ينتقي منها ما يراه أكثر أهمية، ويعتمد في ذلك على الانتباه، والخبرة السابقة، والحالة الانفعالية، وطبيعة الموقف، وهذا يضع الإعلام أمام حقيقة أساسية، وهي أن وصول الرسالة إلى الجمهور لا يعني بالضرورة أن الجمهور انتبه إليها أو فهمها أو تذكرها، فالانتباه مورد معرفي محدود، والإنسان لا يستطيع في اللحظة نفسها أن يمنح جميع المثيرات المحيطة به تركيزًا واعيًا متساويًا، وتوضح أبحاث علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب أن الانتباه يعمل من خلال منظومات متخصصة في اليقظة، وتوجيه التركيز، والتحكم التنفيذي، بما يساعد الإنسان على تحديد المثير الذي يستحق المعالجة، «المصدر ـ مايكل آي. بوزنر، ماري كيه، روثبارت، أبحاث شبكات الانتباه نموذجًا لتكامل العلوم النفسية، المراجعة السنوية لعلم النفس، المجلد 58، الولايات المتحدة الأمريكية، 2007»، وقد أكدت أبحاث التصوير العصبي وجود تمايز بين شبكات الإنذار والتوجيه والتحكم التنفيذي في الانتباه، «المصدر ـ جين فان، بروس ماكاندلس، جون فوسيللا، جوناثان فلومبام، مايكل بوزنر، تنشيط شبكات الانتباه، مجلة التصوير العصبي، 2005»، وهنا نلاحظ أن هذه الحقيقة تمثل مدخلًا مهمًا لفهم صناعة المحتوى، لأن الإعلامي لا يخوض منافسة مع وسائل إعلام أخرى فقط، وإنما ينافسيضًا كل المثيرات الموجودة في عقل المتلقي وبيئته الرقمية، وتزداد فرص جذب الانتباه عندما تكون الرسالة مرتبطة بمصلحة مباشرة للإنسان، أو بحدث جديد، أو بخطر محتمل، أو بمعلومة تمس حياته اليومية، كما تلعب الخبرة السابقة دورًا في تحديد ما يستحق التركيز، فالإنسان يميل إلى ربط المعلومات الجديدة بما يعرفه مسبقًا، ولذلك فإن المحتوى الذي يقدم سياقًا واضحًا ويساعد الجمهور على فهم علاقة المعلومة بحياته يكون أكثر قدرة على جذب اهتمامه من المحتوى المنفصل عن واقعه، «المصدر ـ جون آر، أندرسون، علم النفس المعرفي وتطبيقاته، الطبعة الثامنة، دار وورث للنشر، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، 2015»، وهذا يعني أن صناعة المحتوى الناجحة تبدأ قبل كتابة العنوان أو تصوير المشهد، تبدأ بفهم الجمهور ومعرفة ما الذي يعني له، ولا يتحدد الانتباه بالأهمية العقلية وحدها، بل تتدخل العاطفة بصورة واضحة في توجيه المعالجة، فالرسائل التي تتضمن خوفًا أو تهديدًا أو مفاجأة أو ارتباطًا شخصيًا يمكن أن تستحوذ على اهتمام أكبر من الرسائل المحايدة، ويرتبط ذلك بدور منظومات دماغية، من بينها اللوزة الدماغية، في معالجة المثيرات الانفعالية، «المصدر ـ جوزيف لودو، الدماغ الانفعالي، دار سايمون وشوستر، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، 1996»، كما أظهرت مراجعة واسعة أن الأحداث والمعلومات السلبية قد يكون تأثيرها النفسي أقوى من الإيجابية في عدد كبير من السياقات، وهو ما يعرف على نطاق واسع بالتحيز السلبي، «المصدرـ روي إف، باوميستر، إلين براتسلافسكي، كاترين فينكناور، كاثلين فوهس، السيئ أقوى من الجيد، مجلة مراجعة علم النفس العام، المجلد 5، العدد 4، 2001»، ومن هنا يمكن تفسير جانب من ميل بعض وسائل الإعلام إلى الأخبار السلبية، لأنها تمتلك قدرة عالية على استقطاب الانتباه، لكن هذه الحقيقة العلمية لا تعني أن الإعلام يجب أن يبالغ في الخوف أو الكوارث، بل إن المسؤولية المهنية أكبر عندما يعرف الإعلامي أن الجمهور أكثر حساسية لبعض أنواع الرسائل، ومن أشهر التجارب التي كشفت محدودية الانتباه تجربة «الغوريلا غير المرئية»، إذ طلب الباحثان كريستوفر تشابريس ودانيال سايمونز من المشاركين متابعة تمريرات كرة السلة، وخلال المشهد ظهر شخص يرتدي زي غوريلا، ولم يلحظ عدد كبير من المشاركين هذا المثير رغم ظهوره بوضوح، وأصبحت التجربة مثالًا مشهورًا على «العمى غيالمقصود»، أي عدم ملاحظة حدث واضح عندما يكون الانتباه مشغولًا بمهمة أخرى، «المصدر - كريستوفر تشابريس، دانيال سايمونز، الغوريلا غير المرئية، وكيف تخدعنا حدوسنا، دار كراون للنشر، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، 2010»، وهذه النتيجة تحمل درسًا مهمًا للإعلامي، فالمعلومة قد تكون موجودة أمام الجمهور، لكن ذلك لا يعني أنها دخلت فعلًا إلى دائرة وعيه واهتمامه وتركيزه، وأعتقد أن هذا هو السبب في أن كثافة الرسائل لا تعني بالضرورة قوة التأثير، وتظهر خطورة المنافسة على الانتباه بصورة أكبر في البيئة الرقمية، فقد حللت دراسة علمية واسعة نحو «126» ألف قصة أو سلسلة أخبار متداولة على تويتر بين عامي 2006 و2017، وارتبطت هذه البيانات بنحو «3» ملايين مستخدم، ووجد الباحثون أن الأخبار الكاذبة انتشرت أسرع وأوسع من الأخبار الصحيحة في العينة التي درسوها، «المصدر - سروش فوسوقي، ديب روي، سنان أرال، انتشار الأخبار الصحيحة والكاذبة عبر الإنترنت، مجلة ساينس، المجلد 359، العدد 6380، الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم، الولايات المتحدة الأمريكية، 9 مارس 2018»، وتؤكد بيانات الدراسة أن القصص الكاذبة وصلت إلى عدد أكبر من الأشخاص وانتشرت بصورة أسرع من القصص الصحيحة، وهذا يكشف أن قوة الانتشار ليست دليلًا على صحة المعلومة، وأن المحتوى الذي يحقق ملايين المشاهدات قد يكون أكثر إثارة من كونه أكثر دقة، ربما يكون هناك عوامل أخرى تساعد على انتشاره غير مهنية، أو تقنية، وتكون رسائل المراد من المستفيد نشرها، ويأتي التكرار عاملًا آخر في تشكيل الانطباع، فقد أظهرت الدراسة الكلاسيكية التي أجراها لين هاشر وديفيد جولدشتين وتوماس توبينو عام 1977م، أن تكرار العبارات يمكن أن يرفع تقدير المشاركين لدرجة صدقها، حتى عندما كانت بعض العبارات خاطئة، «المصدر - لين هاشر، ديفيد جولدشتين، توماس توبينو، تكرار العبارات والحكم على صدقها، مجلة التعلم والسلوك اللفظي، المجلد 16، 1977»، وقد تكررت هذه النتيجة في أبحاث لاحقة، وأصبح تأثيرها يعرف باسم «تأثير الحقيقة الوهمية»، ولهذا فإن تكرار الرسالة الإعلامية يمكن أن يساعد على التذكر، لكنه قد يصبح خطرًا عندما تستخدمه معلومات غير صحيحة، لأن الألفة الناتجة عن التكرار قد تمنح الادعاء شعورًا بالمصداقية لا يستند إلى دليل، أما الصورة فتحتل موقعًا مهمًا في الاتصال الإعلامي، لأن الجمع بين التمثيل اللفظي وابص