عبدالرحيم الخصار: أنا نملة.. ولا أعرفُ لماذا أكتب!

يسكنني اسم الكاتب عبدالرحيم الخصار منذ قرابة رُبع قرن، وحضر نصّه الذي ينبئ عن شخصه عبر المنتديات التي جمعت بين مشرق العرب ومغربه، وتلاقت فيها الأرواح، وانفتحت العلاقات. وظلّ اسم الضيف حاضراً في الوعي الذي لطالما حدّث نفسه بالقبض عليه، إلا أن عملنا في الصحافة باعدَ بين أسفارنا واهتماماتنا، لكنّ اللاوعي يعود بنا إلى من يثق بأنه شخصية وازنة ولها حق إيلائها شيئاً من العناية، فكان هذا الحوار الذي ربما لامس منكم ما لمس الوجدان منذ 25 عاماً، فإلى نصّه:• كتابك الأحدث «ألزهايمر يا أبي» ترجمة لتجربة حقيقية.. ما مخاض ولادة هذا الكتاب؟•• في الفترة الأخيرة من حياته، خاض والدي تجربة مريرة استمرت خمس سنوات مع الـ«ألزهايمر» قبل أن يرحل عن عالمنا. بدأت الطرقات تتقطع بيننا وبينه، ثم غاب الفهم والإدراك، كأنما أصبح هو في عالم ونحن في عالم آخر، وفي غياب هذا التواصل تحولت إلى الشعر؛ أردت أن يستمر الخطاب، أن أخاطبه شعرياً. لذلك يحاول الكتاب استحضار مقاطع متفرقة وكثيرة من حياته، وحياتنا معه. مرض الخرف تجربة مريرة، الكتابة عنه تجربة مريرة أيضاً. مفهوم النسيان يتخذ أبعاداً أخرى مؤلمة، خصوصاً حين يكون الناسي هو الأب والمنسيون هم نحن. • لماذا الكتابة؟ متى سألتَ نفسك هذا السؤال؟•• في منتصف التسعينات، نشرت مقالاً يجيب فيه كُتّاب العالم عن هذا السؤال: لماذا الكتابة؟ كانت أجوبتهم جميعاً مذهلة وعميقة، لكنها كانت بالنسبة إليّ غير مقنعة. لا أحد يعرف لماذا يكتب. هل ثمة جواب جاهز؟ كل جواب هو إخفاء لأجوبة أخرى. أنا أعرف ماذا أكتب وكيف أكتب.. لكن لماذا؟ لا أعرف لماذا. وإذا حاولت أن أجيب فستكون هناك إجابات كثيرة ومتضاربة أحياناً.في أحد نصوصي قلت مرة: «أكتب كمن يشرب النبيذ لينسى/ وكمن يشرب القهوة ليصحو».هل نكتب لنتذكر أم لننسى؟ أحياناً يكون الطرفان معاً جواباً واحداً.مرة قلت: «أكتب لأن حبل الأيام قصير». هل الكتابة نزوع نحو الخلود؟ ربما. لكن عن أي خلود نتحدث نحن الكائنات الضئيلة في هذا الكون الجارف؟• ماذا عن تأثير الجينات الوراثية؟•• أدبياً؛ أنا ابن قراءاتي الشاسعة للأدب. تأثرت بسيَر الشعراء أحياناً وعذاباتهم أكثر من نصوصهم.بيولوجياً؛ أنا ابن صانع بنادق بارود، رجل وطني مؤمن كريم ومحب للخير. ورثت عنه حب الشاي والحكي والسخاء وعزة النفس. أنحدر من قبائل آيت باعمران الأمازيغية، الشهيرة بمقاومة الاستعمار. إنني حفيد جبال وصنو حقول وأفلاج، لذلك تحضر مفردات الطبيعة والأرياف على نحو كبير في قصائدي.• ما الذي تشعر به اليوم إثر مرور ثلاثة عقود من الكتابة والنشر والعمل الصحفي؟•• بدأت الكتابة في الطفولة، في عمر مبكر جداً، في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي، حصلت على جائزة أفضل نص أدبي في المدرسة، كانت مزهرية زرقاء طويلة جداً، أطول من قامتي.ذلك الضوء الخزفي الأزرق ظل يلمع لسنوات متعاقبة في ذاكرتي.أصدرت 15 كتاباً في الشعر والرواية وأدب الرحلة. وكتبت نحو 1000 مقال في الصحافة العربية، ربما تبدو هذه الأرقام كبيرة لكثيرين، لكنها بالنسبة إليّ لا شيء، لم أكتب بعد ما أريد، ولم أصل بعد إلى الأعماق التي أنشدها.• هل حقاً يشعر الكاتب في مطلع كتابته أنه يستطيع تغيير العالم؟ وما الذي أعقب الانخراط في العمل.. هل نجحت في تغييره؟•• في أول الطريق، طريق الكتابة، يبدو كل شيء ممكناً، يبدو العالم مروحة صغيرة في قبضة اليد، مع تعاقب السنوات والعقود يكتشف المرء أنه كائن هش جداً أمام قسوة العالم، يختبر هشاشته ويهرع إلى السكينة. لكن علينا أن نترك أثراً على هذه الأرض قبل أن نغادرها، ولو كان أثر عصفور في مفازة.• ماذا تقول عقب هذا المشوار لمن أقحمك في هذا العالم؟•• لا أحد أقحمني في هذا العالم. ثمة نهر هائل وعظيم وجدت نفسي فيه، وقد سرني جداً أن أكون هنا في مركب الكتابة. يا له من قدر عظيم أن تكون كاتباً!• على ماذا يدل انتقال الشاعر إلى كتابة الرواية؟•• تعجبني صفة «الأديب» التي كانت تُسبغ على من يكتب الأدب، بغض الطرف عن جنسه. لم أكن أفكر في كتابة رواية، وقع ذلك في سياق من الصدفة العظيمة. قبل 10 أعوام كنت أشاهد برنامجاً مصوراً عن «استيفانيكو» أو الأزموري، ذلك الشاب الذي أُسر في مطلع القرن الـ16 خلال فترة استعمار البرتغال للمغرب، اشتراه دوق من سالمنكة الإسبانية وأخذه معه خلال مرحلة الاكتشافات إلى أمريكا، من 400 شخص في تلك الرحلة، بقي أربعة فقط على قيد الحياة، بسبب الحروب والمجاعات والأوبئة وأهوال المحيط، في الأراضي الجديدة تحول الشاب إلى قائد ميداني، ثم انفصل عن الغزاة، وأصبح معالجاً روحياً يتعقبه مئات الهنود الحمر، صاروا يلقبونه «ابن الشمس»، تحول من عبد منسي إلى أسطورة. في أمريكا اليوم تمثال يخلده ومعهد ثقافي باسمه يبحث في تاريخه ويستكشف باستمرار أسرارَه.قلت لنفسي: هذا الكائن العظيم يستحق أن يُنجز حوله فيلم هائل أو رواية عظيمة، لم أجد حينها على مقربة مني روائياً لأنقل له الفكرة، لذلك قلت: سأتولى المهمة بنفسي، إنها روايتي الوحيدة حتى الآن، لكنها كانت رواية متعبة، متعبة جداً.• هل استهواك السرد؟•• كتابة رواية عمل شاق. ثمة التزام مكتبي ووعاء زمني رهيب، واشتغال بنظام الجذاذات والقصاصات والمسودات الصغيرة والتدوينات الفرعية، خصوصاً حين لا يكون الخيال هو السند الوحيد للرواية. في الروايات التي تنطلق من أحداث حقيقية يكون البحث عن المادة الخام وفيها أمراً بالغ الأهمية. السرد ممتع بالفعل، لكن بناء المسرود متعب. والحقيقة أنني أغبط الروائيين الذين كتبوا روايات عدة مركّبة وفيها هذا الجهد الذي أتحدث عنه. في المقابل، الشعر ابن لحظة، ابن مزاج، تكتب مقطعاً في حالة إشراق ما، ومقطعاً آخر في زمن موالٍ، وتعمل على تركيب النص متى سمح مزاجك. ربما التعب في الشعر نعيشه قبل الكتابة، في تجربة الحياة. فالشاعر كائن هش وشديد التأثر بما يقع له وحوله.• كيف نجوتَ من أيديولوجية الحزبيّة وتسييس المؤسسة؟•• كانت طفولتي في الأرياف. ورثت من الحقول شساعتها ومن الأشجار نظرتها العالية إلى الشمس. ربما لذلك كان لدي إحساس بأن الكائن يكون أجمل كلما أفرد جناحيه خارج كل إطار. أمارس السياسة دون الانخراط في حزب سياسي محدد، لكنني مع كل توجه ينشد العدالة ويرفض الظلم والاستبداد ولا يرضى بالخنوع.• ألا يُضطر الأديب الصحفي إلى تقديم تنازلات؟ وماذا عن اضطرارك وتنازلاتك؟•• ما من تنازلات في النهاية. الشاعر أو الكاتب يستثمر خبرته الأدبية في الصحافة. ما جدوى كل هذه البلاغات وهذا الإرث اللغوي الهائل إن لم نستثمره في الصحافة الثقافية. لن نكتب مقالات شعرية في النهاية، لكننا نكتب مواد نقدية وصحفية بلغة تهرب من المنحدرات، وبعين الشاعر التي لا يمكن أن يفتحها على الشعر، ويغمضها حين يتعلق الأمر بالصحافة.ربما التنازل الخطير هو الزمن. إننا نسرق لحظات الكتابة الصحفية من زمن الشعر.• أين ينبغي أن يتوقف الكاتب ليعيد تقييم ما أنجزه؟•• الكاتب لا يقود شاحنة ليتوقف ويراقبها ويختبر مدى صلاحيتها لمواصلة السير. إنه يكتب إلى أن يعجز عن الكتابة، فيكون التوقف النهائي. بالنسبة إلى الكاتب عمليات المراجعة تكون خلال السير لا خلال التوقف. إنه يعمل على تطوير أدائه، خصوصاً حين يكون منشغلاً أكثر بتجاربه، حين تكون عينه على نصوصه، وعلى ما يشغله هو، لا على ما يشغل الآخرين.• لماذا تخليت عن وظيفة الكاتب العام لاتحاد كتاب المغرب بآسفي؟ هل تضر الوظائف بالإبداع؟•• كانت هناك أعطاب في اتحاد كتاب المغرب، وهي أعطاب تفاقمت لاحقاً. الاتحاد متوقف حالياً، منذ 10 سنوات ونيّف، يوجد اتحاد كتاب المغرب خارج الخدمة. أنا قدمت استقالتي من مسؤولية الفرع قبل الاستقالات الجماعية اللاحقة. كان حدسي في محله. أحب أن أكون شاعراً في معظم حياتي. وما اتخذته من قرارات حتى في مهنتي وحياتي الخاصة كان أحياناً على حساب مكاسب مادية واجتماعية كثيرة، لكنه كان لصالح الشعر.• بماذا خرجت من انطباعات إثر التحولات من الورق إلى المنتديات إلى مواقع التواصل؟•• أسهمت الحياة التكنولوجية الجديدة في تشسيع مساحات التداول. ولم يعد الشباب يجدون أنفسهم تحت رحمة رؤساء الأقسام الثقافية في الجرائد والمجلات. صار بإمكان كل فرد أن ينشئ مدونة أو صفحة أو موقعاً وينشر فيه ما يريد. وهذا سلاح ذو حدود، وليس حدين فحسب. على كل حال أنْ يكتب الشباب -مهما وكيفما كتبوا، الشعر والخواطر والأدب- خير لهم من أن ينصرفوا إلى الجريمة والانحراف والإدمان والفراغ. غير أني أقيس النشر بالكتب، لا بالتدوينات الضوئية. الكتاب سيظل هو الكتاب إلى نهاية العالم. فالشجرة مثلاً ستظل هي الشجرة مهما اخترع الإنسان. الكتاب ابن الشجرة، ابنها الذي غادر البيت ودرس في أماكن بعيدة وامتلك المعرفة، لكنه يعود من حين لآخر إلى حضنها.• إلامَ ترجع حِدة المثقفين تجاه زملائهم ومجايليهم؟•• يكتب الكاتب وعينه على ما يكتبه، لا على الآخرين. إذا انشغل الكاتب بتقويمات الآخرين وتصنيفاتهم له وتمثلاتهم وأحكامهم عنه، فإن ذلك سيفسد متعة الكتابة بالنسبة إليه. الحياة الثقافية مثل أية حياة عامة، فيها الحب والكراهية، فيها الإنصاف والظلم، فيها الغبطة والمكاشفات الجميلة وفيها النميمة والحسد والحقد. علينا أن نغض الطرف عن كل الأشياء السيئة، أن نغلق آذاننا عن كل شر ونعيش مباهج الكتابة، العمر قصير جداً، لماذا يضيعه المرء في الأحقاد والضغائن والأمراض؟ علينا أن نمنح الحب. ثق أنه يعود إلينا مهما تأخر. إن الذي يمنح الحب هو أسعد المخلوقات، ومن يمنح الشر أشقاها.• ممَّ تخشى على ثقافتنا العربية؟•• أخشى عليها من أن تظل عربية. إننا نعيش انغلاقاً غريباً. كل ما يتمناه الكاتب العربي هو أن يُقرأ في العالم العربي، وهذا خطر. نحن في حاجة هائلة إلى الانفتاح على العالم. نحن نعرف الكثير عن الثقافة الفرنسية والبريطانية والإسبانية والألمانية والأمريكية واليابانية. ماذا يعرف قراء هذه البلدان عنا؟ ماذا يعرف قراء بلغاريا وهنغاريا وإستونيا والفلبين وسنغافورة عن الأدب العربي؟ الجواب: لا شيء تقريباً. على المؤسسات العربية أن تفتح ورشاً كبرى لترجمة الأدب العربي إلى لغات العالم، بالتنسيق والاشتراك مع مؤسسات دولية طبعاً. أيضاً لا بد من تنشيط وتفعيل كبيرين لحضور الكتّاب العرب في العالم، عبر المشاركة في الملتقيات الدولية والإقامات الفنية في مختلف الجغرافيات. لا بد من تحقيق تبادل ثقافي حقيقي، عوض أن نكون نحن الطرف الوحيد المتلقي لما ينتجه الآخر.• لو طلبت منك اختصار سيرتك ومسيرتك في بضع كلمات.. ماذا ستكتب؟•• أنا نملة صغيرة تدب على أرض الكتابة. لكنها نملة عنيدة لا يبهرها ضوء ولا تؤمن بفارق الأحجام.