دوستوفيسكي.. الرجل الذي كتب ليعيش

من مقولات دوستوفيسكي؛ «هنالك أمر واحد أخشاه: وهو ألّا أكون جديراً بمعاناتي».إذا يظل الإنسان أسيراً لعاداته سواء كانت تلك العادات حسنة أو سيئة ودائماً ما تكون تلك العادات هي من يتحكّم في سلوكه وحياته ونتاجه أيضاً.حينما نتحدث عن دوستوفيسكي فهذا يعني أننا نتناول شخصية الكاتب الأكثر عمقاً بين كل كتّاب السرد عبر التاريخ وأحد أكثر الكتّاب نتاجاً بين كل كتّاب الرواية والقصة في العالم.مات عن ستين عاماً من الحياة المكثفة والتي كان نتاجها أكثر من أربعين عملاً بين رواية وقصة وترجمات والكثير من المقالات بمعدل لا يقل عن عمل في العام الواحد.لم يكن مجرد كاتب صاحب استمرارية مذهلة بل الأكثر قدرة على الإبداع والإمتاع.كان مدمناً على القمار بطريقة غريبة تكمن غرابتها في أنها كانت أحد أهم الأسباب التي منحت قراء العالم أعمالاً خالدة منحت صاحبها حق التواجد المستمر في قائمة الكتب الأكثر قراءة حول العالم.سأروي لكم حكاية تبيّن القدرة العجيبة لهذا الكاتب الاستثنائي لتحويل المعاناة إلى محفز عظيم لتحدي الوقت والظروف.كان دوستوفيسكي مدمناً للقمار للحد الذي أسقطه في معاناة الديون والفقر برغم أنه كان يتقاضى أجراً مرتفعاً مقابل أعماله، حتى وصل به الحال في الفترة التي كان يكتب فيها عمله الخالد الجريمة والعقاب إلى عقد اتفاق شبه مستحيل لكتابة عمل خلال أقل من شهر أو أن ستيلوفيسكي (الناشر) سيحصل على حق نشر أعمال دوستوفيسكي لمدة تسع سنوات، دون أي تعويض للكاتب!.. وتلك المدة القصيرة هي شبه مستحيلة لأي كاتب لعدة أسباب أهمها أن الكتابة حالة إلهام لا يمكن أن تخضع لعامل الوقت ولا يمكن ضمان حدوثها في ذلك الوقت المحدد!قرر دوستوفيسكي أن يستعين بمعاناته مع القمار ويجعلها موضوع الكتابة فليس هناك ما يمكن أن يكون حاضراً في ذهن الكاتب دون عناء إلا حياته ومعاناته وآلامه ومخاوفه!بدأ دوستوفيسكي الكتابة في اليوم الأول والثاني والثالث بسلاسة متناهية لكن المتاعب بدأت معه في اليوم الرابع وأصبحت قدرته على الكتابة تنخفض شيئاً فشيئاً حتى عجز عن الكتابة سواء بسبب البرد الذي أفقده القدرة على الإمساك بالقلم أو الحالة الذهنية التي لم تتأقلم مع حالته المعيشية!قرر وضع إعلان يطلب فيه المساعدة لتوفير مساعد يقوم بالكتابة بينما دوستوفيسكي يملي عليه النص المراد كتابته!طرقت عليه الباب شابة حسناء اسمها آنا غريغورفنا، التي تقدمت لتلك المهمة، وكانت الوصية التي تلقتها أنك ستعملين مع كاتب عبقري لكنه شخص وقح، فتح الباب وبعد أن عرّفت بنفسها دخل إلى منزله، وما إن دخلت حتى شاهدت أكواماً من الكتب والأوراق التي ملأت المكان داخل ذلك المنزل الذي يسكنه، كانت معجبة به ككاتب لكن كإنسان كانت التحذيرات تسكنها..فتح الباب وأشار عليها بالجلوس والبدء في الكتابة، كان يمليها العمل وكأنه يقرأ من كتاب.في الصباح كان يكتب عمله الخالد المقامر وفي المساء كان يكتب العمل العبقري الجريمة والعقاب وكأنه يعيش بشخصيتين وعقلين مختلفين..في اليوم المتفق عليه ذهب لتسليم العمل لكن الناشر تهرب منه على أمل أن لا يتحقق المتفق عليه، لكن دوستوفيسكي ذهب إلى قسم الشرطة وسلم العمل هناك بمحضر رسمي.بعد ذلك عاد إلى المنزل وعرض على كاتبته الجميلة آنا الزواج..بعد مدة قصيرة عادت معاناة دوستوفيسكي مع القمار لتقحمه في الديون مرة أخرى..تولت آنا أموره المالية وأعادت ترتيب حياته وأدارت نشر وتوزيع كتبه بنفسها حتى أصبحت أول سيدة أعمال روسية..تلك الفتاة العشرينية أعادت ترتيب حياة الكاتب الكبير وعاشت معه قصة حب خلّدتها لاحقاً في مذكراتها.أما دوستوفيسكي فكان يكتب ليعيش، وهذا الشيء غير الجميل في ظاهره أثمر أعمالاً خالدة وسجل اسم كاتبها كأحد أعظم كتّاب الرواية بل وأعظمهم على الإطلاق.