عام الماء.. رؤى وطنية آمنة

تمثل موافقة مجلس الوزراء على تسمية عام 2027 بـ "عام الماء" خطوة وطنية تهدف إلى تعزيز الاهتمام بالأمن المائي، ورفع الوعي بقيمة المياه، وتسريع المبادرات المرتبطة بكفاءة الاستخدام والمحافظة على الموارد. ويأتي القرار في ظل تحديات تفرضها الطبيعة الجغرافية والمناخية للمملكة العربية السعودية، التي تقع معظم أراضيها ضمن النطاق الصحراوي الجاف، مع انخفاض معدلات الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، ومحدودية الموارد المائية السطحية المتجددة. وقد جعلت هذه الظروف إدارة المياه قضية ترتبط باستمرار التنمية، والأمن الغذائي، والنمو السكاني والعمراني. وخلال السنوات الماضية، اتجهت المملكة إلى إعادة تنظيم قطاع المياه، وتنويع مصادر الإمداد، والتوسع في تحلية مياه البحر، ورفع قدرات النقل والخزن، وتقليل الاعتماد على المياه الجوفية غير المتجددة، إلى جانب زيادة مشاركة القطاع الخاص وتوظيف التقنيات الحديثة في الإنتاج والتوزيع. ويتزامن "عام الماء" مع استعداد المملكة لاستضافة الدورة الحادية عشرة من المنتدى العالمي للمياه في الرياض عام 2027، وهو أحد أبرز التجمعات الدولية المتخصصة في قضايا المياه، ويبحث سياسات الإدارة، والتمويل، والابتكار، والأمن المائي، والتعاون بين الدول. كما يتيح هذا التوجه توحيد الجهود الحكومية والمجتمعية والبحثية حول أولويات القطاع، وتحويل الوعي بالمياه إلى ممارسات قابلة للقياس، ودعم تطوير الحلول المحلية، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتعزيز الاستجابة للمخاطر المستقبلية، بما يضمن استمرارية الإمدادات، ويحافظ على الموارد، ويدعم التخطيط طويل المدى لمختلف مناطق المملكة وقطاعاتها التنموية الرئيسة دون انقطاع. تحدٍّ صحراوي تواجه المملكة تحديًا مائيًا مستمرًا نتيجة محدودية الموارد الطبيعية المتجددة، وعدم وجود أنهار دائمة، وتفاوت هطول الأمطار بين المناطق، فضلًا عن ارتفاع الطلب المرتبط بالنمو السكاني والتوسع الحضري والاقتصادي. وللتعامل مع ذلك، تبنت المملكة نهجًا يقوم على التخطيط طويل المدى، وتنويع مصادر المياه، وتنظيم استخدام المياه الجوفية، والتوسع في المياه المحلاة والمعالجة، وربط مناطق الإنتاج بالمدن والمحافظات من خلال أنظمة نقل وخزن واسعة. وسبق أن كشف وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن الفضلي انخفاض استخدام المياه الجوفية غير المتجددة في المملكة من نحو 21 مليار متر مكعب عام 2016 إلى 11 مليار متر مكعب في 2025، بالتزامن مع ارتفاع الطاقة الإنتاجية للمياه المحلاة من 9 ملايين إلى 16 مليون متر مكعب يومياً، ويعكس ذلك توجهًا لتخفيف الضغط على المخزون الجوفي وتعويض جزء من الطلب المتزايد بمصادر غير تقليدية. كما توسعت برامج مراقبة استهلاك الآبار الزراعية وتركيب العدادات عليها، إلى جانب إعادة استخدام المياه المعالجة في الأغراض الزراعية والصناعية والحضرية. وبلغت نسبة إعادة استخدام المياه المجددة نحو 30 %، وفق بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة. وفي إطار التحضير للمنتدى العالمي للمياه، تستضيف المملكة اجتماعات وفعاليات تشاورية تجمع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والخبراء والمنظمات الدولية، بهدف تحديد الموضوعات والأولويات التي ستناقشها دورة الرياض عام 2027. تحلية البحر وأصبحت تحلية مياه البحر أحد المصادر الرئيسة للإمداد المائي في المملكة، ولا سيما في المدن الكبرى والمناطق الساحلية والمراكز الحضرية التي تشهد نموًا سكانيًا واقتصاديًا متسارعًا. وخلال الفترة من عام 2016 إلى عام 2025، ارتفعت الطاقة الإنتاجية للمياه المحلاة من نحو تسعة ملايين متر مكعب يوميًا إلى قرابة 16 مليون متر مكعب يوميًا. كما سجلت المملكة 11 رقمًا قياسيًا في موسوعة غينيس ضمن مشروعات وتقنيات مرتبطة بإنتاج المياه وتحليتها وكفاءتها التشغيلية. وتزامن التوسع في الإنتاج مع التحول من بعض تقنيات التحلية الحرارية مرتفعة الاستهلاك للطاقة إلى تقنيات التناضح العكسي الأكثر كفاءة، إلى جانب تطوير الأغشية، وأنظمة التحكم الرقمي، ورفع كفاءة التشغيل وخفض استهلاك الطاقة لكل متر مكعب منتج. كما أُنشئ أول مصنع محلي لإنتاج أغشية التناضح العكسي، في خطوة تستهدف دعم سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الواردات وتطوير الصناعات المرتبطة بالمياه، مع تقديرات بأن يسهم المصنع بنحو 1.5 مليار ريال في الناتج المحلي. وأسهمت مشروعات التحلية في تأمين احتياجات المدن والمشروعات الاقتصادية والصناعية، وتقليل الاعتماد المباشر على المياه الجوفية، ورفع قدرة منظومة الإمداد على التعامل مع مواسم ذروة الاستهلاك. ولا يزال القطاع أمام تحديات تتعلق باستمرار خفض تكاليف إنشاء وتشغيل محطات التحلية، وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة، والحد من الآثار البيئية المرتبطة بالمياه المالحة المركزة، بما يتطلب مزيدًا من الاستثمار في البحث والتطوير والتقنيات الأقل استهلاكًا للطاقة. حوكمة القطاع ويقوم تنظيم قطاع المياه على توزيع المسؤوليات بين جهات تتولى التخطيط والتنظيم والإنتاج والنقل والتوزيع ومعالجة مياه الصرف الصحي، في إطار يستهدف الفصل بين الأدوار التنظيمية والتشغيلية والاستثمارية. وتتولى وزارة البيئة والمياه والزراعة إعداد السياسات والاستراتيجيات العامة، فيما تقود الهيئة السعودية للمياه تطوير القطاع ورفع كفاءته، وتتولى الشركة السعودية لشراكات المياه طرح مشروعات الشراكة واستقطاب استثمارات القطاع الخاص، بينما تدير شركة المياه الوطنية خدمات التوزيع والصرف الصحي في المدن والمحافظات الواقعة ضمن نطاق أعمالها. وقد أسهم هذا التنظيم في توسيع مشاركة القطاع الخاص، وتسريع تنفيذ مشروعات الإنتاج والنقل والمعالجة، واعتماد عقود تقوم على مؤشرات الأداء والكفاءة التشغيلية، إلى جانب تطوير أنظمة المراقبة الرقمية وإدارة البيانات. وفي عام 2025، ارتفعت نسبة تغطية السكان بشبكات المياه إلى 83.69 % بعد تنفيذ 57 مشروعًا مائيًا بقيمة بلغت نحو 4.62 مليارات ريال. كما بلغت تغطية خدمات الصرف الصحي 67.05 % بعد تنفيذ 33 مشروعًا بتكلفة تجاوزت 2.25 مليار ريال. وزادت السعة الإجمالية لأنظمة نقل المياه إلى أكثر من 18.5 مليون متر مكعب يوميًا، فيما بلغت سعة خزن المياه نحو 29 مليون متر مكعب، بما يعزز مرونة الإمدادات وقدرة المنظومة على التعامل مع الأعطال أو فترات الطلب المرتفع. وعلى المستوى الدولي، أعلنت المملكة تأسيس المنظمة العالمية للمياه واتخاذ الرياض مقرًا لها، بهدف تعزيز التعاون الدولي، وتبادل المعرفة والتقنيات، ودعم الابتكار وتمويل المشروعات المائية وبناء القدرات في الدول التي تواجه تحديات في الإمداد والإدارة. وعي مجتمعي ولا ترتبط كفاءة إدارة المياه بحجم الإنتاج وحده، بل تشمل أنماط الاستهلاك، واكتشاف التسربات، واستخدام الأدوات المرشدة، وسرعة معالجة الأعطال داخل المنازل والمنشآت العامة والخاصة. ولهذا تنفذ الجهات المختصة برامج توعوية تستهدف الأسر والمدارس والمنشآت والقطاعات الزراعية والصناعية، وتوضح أثر السلوك الفردي في خفض الاستهلاك والمحافظة على الموارد. ويُنتظر أن يوفر «عام الماء 2027» إطارًا موحدًا لهذه الجهود من خلال الحملات الإعلامية والبرامج التعليمية والمبادرات المجتمعية والمسابقات والأنشطة البحثية، إضافة إلى تشجيع الأفراد والمنشآت على استخدام الأدوات الصحية والأجهزة الأعلى كفاءة في استهلاك المياه. وأكدت وزارة البيئة والمياه والزراعة أن العام سيُخصص لتعزيز الوعي وتسريع المبادرات الوطنية وتحفيز الابتكار والاستثمار في القطاع. ومن المبادرات السابقة حملة الله لا يبين غلاه التي سبق وأطلقها المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه «مائي»، بهدف ربط المحافظة على المياه باستمرار الأنشطة الحضرية والصناعية والزراعية، وتوسيع مفهوم الترشيد من الاستخدام المنزلي إلى كفاءة الاستهلاك في مختلف القطاعات. كما حققت مبادرات خفض الاستهلاك وبرامج الكشف عن التسربات وفورات مائية بلغت نحو 40 ألف متر مكعب يوميًا في القطاعين الحكومي والسكني، وأسهمت في تقليل هدر المياه بكميات تجاوزت 1.4 مليون متر مكعب، وفق بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة. ومع ذلك، يبقى تغيير السلوك الاستهلاكي عملية تراكمية تحتاج إلى استمرار التوعية، وربطها بأنظمة القياس والفوترة والأدوات المرشدة، وتوفير بيانات واضحة للمستهلك تمكّنه من معرفة حجم استهلاكه ومقارنته بالمعدلات المعتادة. رؤية مستقبلية تعكس تسمية عام 2027 بـ«عام الماء» انتقال ملف المياه من نطاق الخدمات التشغيلية إلى مساحة أوسع تشمل الأمن الوطني، والتخطيط الحضري، وحماية الموارد، والصناعة، والبحث العلمي، والتعاون الدولي. وتظهر المؤشرات المعلنة ارتفاع إمدادات المياه إلى أكثر من 16 مليون متر مكعب يوميًا، ووصول تغطية شبكات المياه إلى 83.69 %، وخدمات الصرف الصحي إلى 67.05 %، وبلوغ سعة أنظمة النقل أكثر من 18.5 مليون متر مكعب يوميًا، وسعة الخزن نحو 29 مليون متر مكعب. كما انخفض استخدام المياه الجوفية غير المتجددة بنحو عشرة مليارات متر مكعب بين عامي 2016 و2025. وتشير هذه النتائج إلى أن المملكة تعاملت مبكرًا مع مخاطر محتملة، من أبرزها تراجع المخزون الجوفي، وارتفاع الطلب الناتج عن النمو السكاني والعمراني، وتأثر الإمدادات بالتغيرات المناخية، ومخاطر الاعتماد على مصدر مائي واحد. وشملت الاستجابة زيادة إنتاج المياه المحلاة، وتوسيع الخزن الاستراتيجي، وتنويع المصادر، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وربط أنظمة الإنتاج بشبكات نقل ممتدة. وفي المقابل، تظل هناك ملفات تتطلب استمرار العمل، وفي مقدمتها خفض الفاقد في شبكات التوزيع، واستكمال تغطية المدن والمحافظات بخدمات المياه والصرف الصحي، وتقليل التكلفة الرأسمالية والتشغيلية للتحلية، وزيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة، ورفع معدلات الاستفادة من المياه المعالجة. وبذلك يشكل «عام الماء» فرصة لقياس نتائج السياسات المائية، وتوسيع مشاركة المجتمع والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث، وتحويل المؤشرات المعلنة إلى برامج قابلة للمتابعة، بما يعزز قدرة المنظومة على تلبية الطلب وحماية الموارد خلال العقود المقبلة. دور ريادي وتجاوزت جهود المملكة النطاق المحلي لتتبوأ الريادة الدولية؛ وتواصل هذا الدور الريادي في عام 2024م بالإعلان عن المركز الدولي لأبحاث المياه، لترسيخ دور المملكة كمرجعية عالمية في استدامة وابتكار قطاع المياه. تمضي المملكة بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفاتها الطموحة؛ فبحلول عام 2030م، تستهدف الوصول بتغطية السكان بشبكات المياه إلى نسبة (100 %). وبحلول عام 2050م تسعى المملكة لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى تشمل: تغطية السكان بشبكات الصرف الصحي بنسبة 95 %، واستمرارية إمداد المياه على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع (7/24)، وإعادة استخدام أكثر من 70 % من المياه المعالجة. كما تتضمن خطة العرض والطلب على المياه للاستخدام الحضري حتى 2050م، توفير ما يقارب (21) مليون متر مكعب / يوم للاستخدام الحضري؛ وذلك من خلال التوسع في زيادة إمدادات المياه المنتجة من محطات التحلية لتغطية حاجة سكان المملكة في (14,253) تجمعاً سكانياً.