طود شامخ وصفٌ مرصوص.. السعودية بين حتمية النصر ووعي المواطن – حسن  بن مريّع

في هذه اللحظات الفارقة من تاريخ أمتنا، حيث تتلاطم أمواج التحديات وتشتد رياح المتغيرات الإقليمية والعالمية، تقف المملكة العربية السعودية كالجبل الأشم، لا تزيده العواصف إلا رسوخاً وثباتاً، ولا تزيد شعبه إلا التفافاً حول رايته. إننا بهذا نرفع عالياً في السماء، رسالة بمداد الولاء والوفاء، على جبين اليقين والإباء، نؤكد فيها لأنفسنا ولحكامنا وللعالم أجمع، أن النصر حاصل لا محالة بإذن الله، وأن الغلبة للحق وأهله مهما تجرأ أهل الباطل.

إنَّ تآمرَ الأعداء وتكالبَهم ليس بِدْعًا من الأمر، بل هو امتدادٌ لسُنَن التاريخ؛ فكلُّ تحزُّبٍ ضدَّ مشروعٍ عظيم مآله إلى البَوار والتَّباب، وما هذا الكيدُ في حقيقته إلا كِيرٌ يَصقُل البنيان ويزيده رسوخًا، على عكس ما يرجوه الأعداء.

ولنا في سيرة نبينا الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم خير أسوة وأعظم شاهد، ففي غزوة الخندق تكالبت الأحزاب وقوى الشر من قبائل شتى وحلفاء غدر، وضربوا حصاراً كان ظاهره خانقاً، ظانين بجموعهم وعتادهم أنهم سينالون من المؤمنين نيلاً.

وفي ذلك الابتلاء العظيم الذي زُلزل فيه المؤمنون زلزالاً شديداً، وزاغت فيه الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، تمايزت الصفوف وتجلّت معادن الرجال؛ فلم يزدد المؤمنون الصادقون إلا ثباتاً، وهتفوا بيقين جازم: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) فشاركوا قائدهم صلى الله عليه وسلم حفر الخندق بهمة تعلو السحاب.

وفي المقابل، ارتجف المنافقون وضعاف النفوس، وتسللوا لواذاً ينفثون سموم الشك قائلين: (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).

فتهاوت جحافلُ الباطل كما كان وعدُ الله مفعولاً؛ إذ عصفت بآمالهم ريحٌ صرصر، وتخطّفتهم جنودُ الغيبِ التي لم يروها، فرُدّوا على أعقابهم يكويهم الغيظ، خائبين لم يظفروا بطائلٍ ولم ينالوا خيراً.

إن هذا المشهد المهيب يجسد صورة نعايشها اليوم: فكل تآمر يحاك ضد كياننا الشامخ سينتهي حتماً برد كيد الأعداء في نحورهم بإذن الله، مهزومين مدحورين أمام جدار لحمتنا الوطنية.

ونحن إذ نستلهم هذه الدروس الخالدة، نجدد العهد والميثاق قلباً وقالباً مع قيادتنا الرشيدة، مؤكدين بلسان حال كل مواطن ومواطنة، أن أرواحنا تسبق أجسادنا، وسيوفنا مشرعة في وجه كل من تسوّل له نفسه المساس بأرضنا أو قادتنا أو أي فرد منا.

إن الانخراط في الدفاع عن حياض هذا الوطن، وتلبية نداء القيادة سواء في ميادين القتال المشتعلة أو في ساحات التنمية والبناء، ليس تفضلاً نَمُنّ به، بل هو واجب شرعي مقدس، وعقيدة راسخة في أعماقنا تفرضها بيعة شرعية في أعناقنا، وقيم ومبادئ لا تتنازل عنها أخلاقنا، وإن كافة قبائل المملكة العربية السعودية، وأسرها، وحاضرتها وباديتها، من أقصى شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، تقف صفاً واحداً كالبنيان المرصوص، مستميتة في حماية مليكها ووطنها، تذود عن مكتسباته بالغالي والنفيس، وترى في الموت دون الدين والوطن أسمى درجات الشرف والاستشهاد.

بيد أننا ندرك، ببصيرة نافذة ووعي مجتمعي عميق، أن ساحات الوغى قد اتسعت وتغيرت أدواتها، وأن الغزو لم يعد مقتصراً على حشود عسكرية أو أسلحة فتاكة.

إذ تتعرض الأسرة اليوم لغزوٍ فكري ناعم يخترق حصونها عبر الفضاء الرقمي المفتوح، متستراً بشعارات ظاهرها التحرر والانفتاح، وهو في حقيقته حراكٌ مضلل يسعى إلى تأجيج الصراع داخل الأسرة بين الرجل والمرأة، والآباء والأبناء، وإلى تبديل أواصر المودة والسكن بروح النّدية والتناحر، في محاولة يائسة بائسة لتفكيك النواة الضامنة لأمننا واستقرار هويتنا.

وإذ يُراد بالنواة الأسرية السوء، يغدو لزاماً التنبيهُ لمكمنِ خطرٍ لا يقلُّ فتكاً، يتمثل في مسببات العنصرية وبذور التفرقة؛ فالفتنةُ حين تتسلل إلى النسيج المجتمعي تكون أشدَّ من القتل، إذ تستهدف وحدة الصف وتماسك الأمة.

اليقظةُ تقتضي الحذرَ من تسرب هذه النعرات بأي رداء كان؛ سواءً تجلّت في حيفٍ يمس الحقوق داخل الأسرة الواحدة، أو نفثاتِ عصبيةٍ قبلية ومناطقية تنافي الوعي، أو احتقانٍ رياضي يُكدّر صفاء المتعة، أو انغلاقٍ فكري يُغذّي الإقصاء.

إن أيَّ محاولةٍ لإحياء مثل هذه الفتن تحت أي شعار؛ ستصطدم بإذن الله بحائط الوعي المجتمعي، ولن تبلغ مأربها بفضل الله ثم اليقظة الصارمة لأجهزة الدولة التي تواجه بوادر الفتن بحزم، وتُطبّق القوة النظامية الرادعة على كل من يُلوّث الفضاء الرقمي أو يمس النظام العام، صوناً لوحدةٍ راسخةٍ خُطَّت بالدماء وأوثقت بالوفاء.

وفي ظل هذه التحديات الاستثنائية، تتجلى الأهمية القصوى لرفع مستوى الوعي بالمسؤولية الاجتماعية. فالوطنية الصادقة تحتّم على كل فرد أن يكون رقيباً على نفسه، وأميناً كاتماً لأسرار وطنه، ومستجيباً استجابة مطلقة لتوجيهات مسؤوليه. ويتجسد هذا الوعي في الانضباط السلوكي العالي الذي يمنع المواطن من التجمهر في مواقع الأحداث أو الأماكن التي تمنع السلطات التواجد فيها، لكيلا يكون عائقاً أمام الأجهزة الأمنية وفرق الإنقاذ.

ويتجسد هذا الوعي أيضاً في الحذر البالغ من الاستخدام العشوائي غير المسؤول للأجهزة الذكية، فتصوير المنشآت الحساسة، أو مسارات التحرك العسكري، أو أماكن السقوط والاشتباك، ليس مجرد فضولٍ عابر، بل هو إمدادٌ استخباراتي أرعن، يُقدَّم للعدو على طبقٍ من ذهب، ليقيس به أثر ضرباته ويُعيد به ضبط أهدافه على حساب أمن البلاد.

إن هذا العبث الرقمي، وإن صَدَرَ عن حسن نية أو طيش، يمثل ثغرة خطيرة في جدار أمننا الوطني، وقد جرمته أنظمة مكافحة الجرائم المعلوماتية بعقوبات مغلظة.

ختاماً، ونحن نخوض غمار هذه الملاحم متعددة الجبهات، ندرك أن المعركة النفسية لا تقل ضراوة وحسماً عن المعركة الميدانية. وأن «الإرجاف» والتخويف، وبث الشائعات لزعزعة الاستقرار الداخلي، وتضخيم قوة العدو، هي من أبرز صفات المنافقين وضعاف النفوس، الذين يهدفون إلى نشر الإحباط واليأس وشل قدرة المجتمع على الصمود. وفي المقابل، تقف ثقافة «التطمين» والتفاؤل الواعي سلاحاً حاسماً في يد المؤمنين الصادقين.

كما ضرب لنا رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في صناعة الأمل؛ ففي أحلك أوقات حصار الخندق والجوع والخوف يحيط بالمسلمين، كان يضرب الصخرة ويبشر أصحابه بفتح مدائن كسرى وقصور قيصر.

ونحن اليوم، نستمد طمأنينتنا من إيماننا الراسخ بالله، ثم من ثقتنا المطلقة بحكمة وعزم قيادتنا.

إن النصر حاصل لا محالة بإذن الله، وإننا ماضون تحت قيادة مليكنا وولي عهده الأمين، ثابتين على العهد، أكثر رسوخاً من الجبال الرواسي.

وليعلم القاصي والداني أن هذه البلاد الطاهرة عصيّة على الانكسار، وأن كل مكيدة تُحاك ضدها ستتحطم بلا أدنى شك بإذن الله على صخرة تلاحمنا، ووعينا، وولائنا المطلق الذي لا يقبل النقاش.

في هذه اللحظات الفارقة من تاريخ أمتنا، حيث تتلاطم أمواج التحديات وتشتد رياح المتغيرات الإقليمية والعالمية، تقف المملكة العربية السعودية كالجبل الأشم، لا تزيده العواصف إلا رسوخاً وثباتاً، ولا تزيد شعبه إلا التفافاً حول رايته. إننا بهذا نرفع عالياً في السماء، رسالة بمداد الولاء والوفاء، على جبين اليقين والإباء، نؤكد فيها لأنفسنا ولحكامنا وللعالم أجمع، أن النصر حاصل لا محالة بإذن الله، وأن الغلبة للحق وأهله مهما تجرأ أهل الباطل.