تتخذ الزيارة المرتقبة لنجل الرئيس التركي الى لبنان بلال اردوغان في الثاني عشر من الشهر الجاري، أبعاداً انسانية واجتماعية واقتصادية، وفي الوقت عينه تحمل أبعاداً سياسية، بعد محاولات عديدة لتوسيع النفوذ التركي في لبنان، وتعزيز دوره في مناطق الشمال السنّي، خصوصاً في طرابلس التي يزورها في اليوم الثاني، بعد لقائه الرؤساء الثلاثة ، ورؤساء الطوائف الاسلامية والمسيحية.الى ذلك، ستكون عاصمة الشمال المحطة الابرز لزيارة اردوغان الابن، بهدف تثبيت الحضور التركي من باب المؤسسات الاجتماعية والتربوية، وتوفير فرص للشباب في الجامعات والمؤسسات التركية، وإقامة مشاريع اقتصادية، وتعزيز المؤسسات الدينية والاجتماعية، كما ستقدم المنح الدراسية عبر جامعات خاصة، إضافة الى بحث مشاريع تعاون مع مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة ،ومعرض رشيد كرامي الدولي.وسوف يجول الضيف التركي على المعالم الأثرية والتاريخية العثمانية في المدينة، وافيد عن مشاريع تركية لترميم الأبنية الأثرية، وسيقام له مهرجان شعبي ضخم تعبيراً عن الترحيب به وتوجيه الشكر له على كل هذه التقديمات.بإختصار، ستنطلق زيارة بلال اردوغان الى طرابلس من بوابة الإنماء والترميم والمنح التعليمية والمشاريع الاقتصادية في توقيت لافت، فهل تكون مقدمة لمحاولة تركية لملء الفراغ السياسي داخل البيئة السنيّة؟ اذ لا يمكن إعتبار زيارته محطة عابرة للمساعدات، لا سيما أن اختيار طرابلس يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية تتجاوز حدود تلك المشاريع، بهدف توسيع نفوذ أنقرة في مرحلة تشهد فيها الساحة السنيّة اللبنانية فراغاً سياسياً، منذ تعليق الرئيس سعد الحريري نشاطه السياسي في مطلع العام 2022.من هنا، تكتسب زيارة نجل الرئيس التركي أهمية إضافية، إذ تأتي في وقت لا تزال فيه القوى السنيّة تبحث عن مرجعية قادرة على جمع مكوّناتها، واستعادة حضورها في المعادلة، اذ لم تتمكن منذ غياب الحريري من إنتاج قيادة بديلة تحظى بإجماع واسع، الأمر الذي ترك مساحة سياسية مفتوحة أمام قوى خارجية، لمحاولة تعزيز تواجدها.من ناحية ثانية، تدرك تركيا جيداً أن طرابلس ليست مجرّد مدينة شمالية، بل تشكل ثقلاً أساسياً في البيئة السنيّة، وهي مقرّبة جداً لا بل موالية لتركيا، التي ترفرف اعلامها وصور الرئيس رجب طيّب اردوغان في شوارعها، كتعبير لقسم كبير من اهلها عن تأييدهم وتضامنهم مع أنقرة ورئيسها، يعني انّ مهمة اردوغان الابن لن تكون صعبة، فالمدينة تستعد لإستقباله بمهرجان ضخم، وهذا يعني الدعم السنّي المطلق من قلب طرابلس. فهل سيتضاءل الولاء السنّي للمملكة العربية السعودية، بعد الحفاوة التي سيستقبل بها بلال اردوغان؟وعلى خط الرياض، فلطالما كانت تاريخياً صاحبة الحضور العربي الأبرز داخل البيئة السنّية، وقد ارتبط اسمها بدعم قيادات لبنانية بارزة ، إلا أن مقاربتها للملف اللبناني شهدت تحولات خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع انخراطها المباشر في إدارة التوازنات السياسية الداخلية.هذا الواقع المستجد، قد يتيح لتركيا توسيع هامش تحرّكها في الداخل اللبناني، لانّ الزيارة ستتجاوز المشاريع في مجمل الاطر الى بناء علاقات سياسية واسعة، بعدما عزّزت موقعها في سوريا، لذا ستجد في شمال لبنان امتداداً جغرافياً لنفوذها، يساعد في نيلها دور اللاعب الاقليمي الذي يسعى الى توسيع حضوره بقوة في المنطقة.