طاولة إسطنبول: هل يبدأ أمن الممرات من المنطقة؟ – ثامر بن عبدالله السبيعي (ابن سعران)

جلس ثمانية وزراء خارجية يوم الجمعة 23 أكتوبر في فندق يطل على البوسفور. أربعة من المنطقة: السعودية وتركيا ومصر وباكستان. وأربعة من أوروبا: بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وانضمت إليهم إيطاليا. لم يجتمع هؤلاء بهذه الصيغة من قبل. ولم يصدر عنهم بيان مشترك ولا موعد للقاء ثانٍ. لكنهم اتفقوا على أن يلتقوا بانتظام، وعلى دعوة واشنطن وطهران إلى «أقصى درجات ضبط النفس».

قد يبدو هذا قليلاً في أسبوع أُطلقت فيه صواريخ على الرياض وخميس مشيط. وقد يقال إن الطاولة لا تحمي ناقلة. وهذا صحيح، فالناقلة تحميها الطائرة والسفينة. لكن السؤال الأهم ليس ما فعلته الطاولة في يومها. السؤال هو لماذا انعقدت أصلاً، ومن دعا إليها، ومن أي نقطة يبدأ الحل؟

أصدر وزراء الدول الأربع بياناً نقلته وكالة الأنباء السعودية. أدان البيان «التصعيد غير المقبول من ميليشيا الحوثي»، وهجماتها على المدنيين والبنية التحتية في اليمن والمملكة، وعلى الشحن التجاري في البحر الأحمر وباب المندب. وطالبها بوقف «كل الأعمال العسكرية والتهديدات والهجمات فوراً» والعودة إلى المسار السياسي. ودعا إلى «استعادة سريعة وكاملة للمرور الآمن غير المعاق» في مضيق هرمز. وأكد أن الأزمة مع إيران تُحل «حصراً بالحوار والدبلوماسية»، ودعم مذكرة إسلام آباد الموقعة في يونيو.

وفي الجانب الأوروبي، قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن أي تصعيد جديد «لن ينتج إلا خاسرين»، وسترتفع معه أسعار المحروقات. وقال نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني إن مشكلة هرمز «لا تُحل من زاوية عسكرية فقط». أما المضيف التركي هاكان فيدان فلخّص الفكرة في جملة: «الاستقرار لا يُستورد، والحلول الدائمة لا تُفرض من الخارج».

الأمر الأول اقتصادي، والفاتورة تُدفع في أوروبا. أغلق خام برنت يوم الجمعة عند 116.72 دولاراً للبرميل. هذا أعلى إغلاق منذ 29 أبريل، بزيادة 6 % في أسبوع واحد، بحسب رويترز. والمفارقة أن صادرات المنطقة لم تنهَر، فقد قدّرها مورغان ستانلي بنحو 17 مليون برميل يومياً، مقابل 18 مليوناً قبل الحرب. الكمية إذن قريبة من طبيعتها، والسعر ليس كذلك. فالسوق لا تسعّر البرميل الذي عبر، بل البرميل الذي قد لا يعبر. وحين ربط بارو اضطراب الشحن بغلاء المعيشة في فرنسا، كان يقول بلغة السياسة الداخلية ما تقوله الأسعار: أمن الممرات في الخليج والبحر الأحمر يُدفع ثمنه في محطات الوقود الأوروبية.

الأمر الثاني أمني، والحماية سبقت الكلام. قبل أن ينعقد اللقاء كانت بريطانيا قد خصصت مقاتلات تايفون للدفاع عن أجواء المملكة. وقال الإليزيه إن فرنسا ستسهم في حماية محطة ينبع على البحر الأحمر. ولهذا سياقه: في أكتوبر وحده أُطلق على المملكة 14 صاروخاً باليستياً على الأقل وأكثر من 60 مسيّرة، بحسب أرقام التحالف والجهات الرسمية التي نشرتها عرب نيوز. فالأوروبيون لم يأتوا إلى إسطنبول ليقرروا هل يساعدون، بل جاؤوا بعد أن ساعدوا. والطاولة تعطي هذه المساعدة غطاءها السياسي، وتمنع أن تُقرأ انخراطاً في حرب.

الأمر الثالث سياسي، والجهة التي سمّت الخطر من المنطقة. الأوروبيون جلسوا هذه المرة مع أربع دول من المنطقة، وهذه الدول هي التي سمّت المعتدي، وحددت ما تطلبه، وأصرت على أن الحل مع إيران دبلوماسي. ولهذا وزنه. فأكثر ما كُتب عن أمن الخليج والبحر الأحمر في العقود الماضية كتبته عواصم بعيدة، ثم طُلب من دول المنطقة أن تتكيف معه.

ومن السهل أن يُقرأ اللقاء أكثر مما هو. فقد سارع بعض التعليقات إلى وصفه بـ«تحالف أوروبي إسلامي جديد». وهذا الوصف لا يصمد. فالحلف في معناه الدقيق نص مكتوب يلتزم فيه أطرافه بالدفاع المشترك، ومثاله اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعتها المملكة وتركيا وباكستان في 7 أغسطس، ولا تزال أمام البرلمان التركي للتصديق. أما لقاء إسطنبول فلا نص فيه ولا التزام بالدفاع. هو منتدى تشاوري، وقيمته في أنه يتكرر، لا في أنه يُلزم.

وهنا يفيد مفهوم قديم في الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة: التنظيمات الإقليمية. تنص المادة 52 على أن الميثاق لا يمنع قيام تنظيمات إقليمية تعالج من شؤون السلم والأمن ما يصلح أن يُعالج إقليمياً، ما دامت متفقة مع مقاصد الأمم المتحدة. وفكرة المادة بسيطة: أهل الإقليم أقدر على تسمية مشكلاته، وأولى بأن يبدؤوا علاجها، والمجتمع الدولي يسند ولا يحل محلهم. ولقاء إسطنبول ليس تنظيماً إقليمياً بهذا المعنى بعد. لكنه يسير في اتجاهه حين تقبل ثلاث قوى أوروبية أن يبدأ النقاش من أنقرة والرياض والقاهرة وإسلام آباد، لا من بروكسل أو لندن.

ثمة خطأ آخر يتكرر في نقاش الممرات: الدعوة إلى «قواعد جديدة للملاحة». القاعدة موجودة. حق المرور العابر في المضائق المستعملة للملاحة الدولية مكتوب في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولا يحق لدولة مشاطئة أن تعطله أو تخضعه لإذن مسبق. ولم يطلب بيان إسطنبول نصاً جديداً، بل طلب «استعادة» المرور الآمن. والفرق جوهري: من يطلب قاعدة جديدة يعترف ضمناً بأن القاعدة القائمة سقطت، ومن يطلب الاستعادة يقول إن القاعدة قائمة وإن خرقها هو المشكلة.

وما ينقص فعلاً ليس النص، بل الجهة التي تقيس الخرق. فحين تدّعي جماعة مسلحة أنها أصابت سفينة، وتنفي الجهات البحرية ذلك، وتتحرك الأسعار مع الادعاء قبل أن يُتحقق منه، يتضح أن الفراغ ليس في القانون، بل في التحقق المشترك الموثوق. وهذا مجال يصلح أن تعمل فيه الطاولة الجديدة إن أراد أعضاؤها: آلية تحقق مشتركة تقيس ولا تأذن ولا تمنع. فالعبور حق، ومهمة الفريق الفني أن يثبت ما وقع.

ثلاث علامات ستحدد هل كان اللقاء بداية أم صورة.

الأولى: أن يُعلن موعد اللقاء الثاني ومكانه، أو يصدر نص يتبناه الثمانية. فالمنتدى الذي لا يتكرر يبقى حدثاً. والمنتدى الذي يتكرر يصير قناة.

الثانية: تصويت البرلمان المصري في 26 أكتوبر على تفويض دعم المملكة. وقد حدد الرئيس عبدالفتاح السيسي هذا الدعم بالدفاع عن الأراضي السعودية، دون مشاركة في أي هجوم على اليمن. وتصديق البرلمان التركي على اتفاقية مكة سيضيف سنداً قانونياً آخر.

الثالثة: وهي الأخطر، ما يجري بعد 3 نوفمبر، موعد الانتخابات النصفية الأمريكية. فإن عادت الضربات على إيران، ستُختبر دعوة «ضبط النفس» قبل أن يجف حبرها. وقد لوّح مسؤولان أمنيان إيرانيان، في حديث لرويترز، بخطط لضرب الكابلات البحرية في الخليج إن هوجمت بلادهم مجدداً. وهو تهديد يكشف أن ما يعبر المنطقة ليس النفط وحده، بل البيانات والمال أيضاً.

لم يحل لقاء إسطنبول أزمة. ولم يكن ذلك مطلوباً منه. لكنه غيّر نقطة البداية: صار الحديث عن أمن الممرات يبدأ ممن يسكنون على ضفافها ويدفعون أعلى كلفتها، ثم يأتي من يسنده. وفي منطقة طالما كُتبت ترتيبات أمنها في الخارج، هذا تحول يستحق المتابعة.

جلس ثمانية وزراء خارجية يوم الجمعة 23 أكتوبر في فندق يطل على البوسفور. أربعة من المنطقة: السعودية وتركيا ومصر وباكستان. وأربعة من أوروبا: بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وانضمت إليهم إيطاليا. لم يجتمع هؤلاء بهذه الصيغة من قبل. ولم يصدر عنهم بيان مشترك ولا موعد للقاء ثانٍ. لكنهم اتفقوا على أن يلتقوا بانتظام، وعلى دعوة واشنطن وطهران إلى «أقصى درجات ضبط النفس».