صدام الحضارات.. من صراع الهويات إلى سباق التكنولوجيا والتنمية – صبحي شبانة

ليست كل نظرية كبيرة قادرة على الصمود أمام الزمن، فبعض الأفكار تلمع لأنها تفسر لحظة تاريخية بعينها، لكنها تتراجع عندما يتغير العالم، ومن بين أكثر النظريات التي أثارت الجدل في العقود الأخيرة، برزت نظرية «صدام الحضارات» التي قدمت نفسها بوصفها مفتاحًا لفهم القرن الحادي والعشرين، غير أن العقود التي تلت إطلاقها لم تؤكد ما ذهبت إليه، بقدر ما كشفت أن السياسة الدولية أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في صراع بين حضارات، وأن المصالح كثيرًا ما تنتصر على الهويات، وأن الاقتصاد والتكنولوجيا أصبحا أكثر قدرة على إعادة رسم خرائط النفوذ من أي انتماء ثقافي أو ديني.

عندما نشر المفكر الأمريكي صمويل هنتنجتون كتابه صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي عام 1996، بدا وكأنه يقدم تفسيرًا جديدًا للعالم الذي خرج لتوه من الحرب الباردة، فقد اعتبر أن انتهاء الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية لا يعني نهاية الصراعات الكبرى، بل بداية مرحلة جديدة تصبح فيها الهوية الثقافية والدينية المحرك الأساسي للنزاعات الدولية، وأن خطوط التماس الأكثر خطورة ستكون بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، وبين الغرب والحضارات الصاعدة الأخرى، في ذلك الوقت بدت النظرية جذابة لكثير من دوائر صنع القرار في الغرب لأنها قدمت تفسيرًا مبسطًا لعالم شديد التعقيد، ثم جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 لتمنحها زخمًا جديدًا، حتى اعتقد كثيرون أن التاريخ قد منح هنتنجتون البرهان الذي كان ينتظره، وأن العالم دخل بالفعل عصر الصدام الحضاري.

غير أن مرور أكثر من ثلاثة عقود على صدور الكتاب، وما يقارب أربعة عقود على ظهور الفكرة لأول مرة، يفرض مراجعة هادئة بعيدًا عن الانفعال أو الأحكام المسبقة، فالنظريات الكبرى لا تُقاس بقوة تأثيرها الإعلامي، وإنما بقدرتها على تفسير الواقع مع مرور الزمن، وعندما ننظر إلى المشهد الدولي اليوم نجد أن العالم سار في اتجاه أكثر تعقيدًا بكثير مما توقعه هنتنجتون، لقد انطلقت النظرية من فرضية أن الحضارة ستكون العامل الحاسم في تشكيل التحالفات والصراعات، لكن الأحداث أثبتت أن المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والجيوسياسية بقيت هي المحرك الأكثر تأثيرًا، وأن الهوية الثقافية لم تكن سوى أحد العوامل، وليست العامل الوحيد أو حتى الأهم في كثير من الأحيان.

ولو تأملنا أخطر الأزمات الدولية الراهنة، سنجد أن الحرب الروسية الأوكرانية تمثل أكبر تهديد للأمن الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية، صحيح أن روسيا ليست جزءًا من المنظومة الغربية سياسيًا، لكنها تنتمي تاريخيًا وثقافيًا إلى الفضاء الأوروبي المسيحي الذي تحدث عنه هنتنجتون نفسه، ولذلك فإن هذه الحرب لا يمكن تفسيرها باعتبارها مواجهة بين حضارتين مختلفتين، بل هي صراع على الأمن والنفوذ والجغرافيا السياسية داخل المجال الحضاري الأوروبي، والأمر نفسه ينطبق على العلاقات عبر الأطلسي، فقد شهدت العقود الماضية خلافات عميقة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، أبرزها الانقسام الحاد حول غزو العراق عام 2003، ثم النزاعات التجارية بشأن الرسوم الجمركية والدعم الصناعي، والخلافات حول سياسات الطاقة، ومستقبل العلاقات مع الصين، وأعباء الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي، كما برز تنافس متزايد في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة، وهو ما يعكس حقيقة أن المصالح الوطنية كثيرًا ما تتقدم على أي انتماء حضاري مشترك، بل إن الغرب نفسه أصبح يواجه تحديات داخلية لا تقل خطورة عن التحديات الخارجية، فالولايات المتحدة شهدت انقسامًا سياسيًا واجتماعيًا غير مسبوق بلغ ذروته باقتحام مبنى الكونجرس في السادس من يناير 2021، في مشهد هز صورة أعرق الديمقراطيات الغربية، وفي أوروبا، تصاعدت التيارات الشعبوية، واحتدمت الخلافات حول الهجرة والهوية والطاقة، وتراجعت الثقة في كثير من المؤسسات التقليدية، بما يؤكد أن التحديات الداخلية أصبحت تمثل أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للغرب.

في المقابل، لم يتحول العالم الإسلامي إلى جبهة موحدة في مواجهة الغرب كما افترضت نظرية الصدام، فالواقع يكشف أن معظم النزاعات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة كانت صراعات داخلية أو إقليمية، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو ليبيا أو السودان، بينما استمرت العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين معظم الدول الإسلامية والدول الغربية في التطور والتوسع، بل إن العديد من الدول الإسلامية أصبحت شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة وأوروبا في مجالات الطاقة والاستثمار والأمن ومكافحة الإرهاب، وهو ما يجعل الحديث عن مواجهة حضارية شاملة بعيدًا عن توصيف الواقع.

ولعل المملكة العربية السعودية تقدم نموذجًا واضحًا على هذا التحول، فمن خلال رؤية المملكة 2030، والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتنويع الشراكات الدولية، استطاعت الرياض أن تؤكد أن العلاقات الدولية لا تُبنى على منطق الصدام، وإنما على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة، كما لعبت الدبلوماسية السعودية أدوارًا متقدمة في الوساطة وتقريب وجهات النظر بين أطراف متنافسة، بما يعكس صعود مفهوم القوة الناعمة إلى جانب أدوات القوة التقليدية، ولعل ما تشهده المملكة ودول الخليج من استثمارات غير مسبوقة في الاقتصاد المعرفي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، وتنويع الشراكات الدولية، يقدم مثالًا على أن الدول التي قرأت المستقبل مبكرًا لم تنشغل بصراعات الهوية، بل انشغلت بصناعة المستقبل نفسه، وهذه هي اللغة التي يبدو أن النظام الدولي الجديد يفهمها أكثر من أي وقت مضى.

وإذا كانت نهاية الحرب الباردة قد دفعت بعض المفكرين إلى البحث عن عدو حضاري جديد يفسر شكل النظام الدولي المقبل، فإن العقود اللاحقة أثبتت أن العالم أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في معادلة ثقافية واحدة، فالدول لا تتحرك بدافع الهوية وحدها، كما أن الحضارات نفسها ليست كيانات صلبة ومتجانسة، بل فضاءات واسعة تتداخل داخلها المصالح والاختلافات والتحالفات، ولهذا أصبحت التفسيرات التي تنطلق من الاقتصاد والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية أكثر قدرة على فهم ديناميكيات النظام الدولي من نظرية الصدام الحضاري، ومن ناحية أخرى فإن المنافسة الكبرى التي تشكل ملامح القرن الحادي والعشرين لا تبدو حضارية بقدر ما هي سباق على التكنولوجيا والاقتصاد والابتكار، فالولايات المتحدة لا تخوض منافستها الاستراتيجية مع الصين بسبب اختلاف حضاري فحسب، وإنما لأن بكين أصبحت منافسًا اقتصاديًا وتقنيًا وعسكريًا قادرًا على إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي.