صدر حديثًا عن المركز القومي للترجمة برئاسة الدكتور محمد نصر الدين الجبالي، كتاب "شرح التوراة" تأليف رابي صموئيل بن حفني جاؤون، المعروف أيضًا بصموئيل بن حفني الكاهن، والمختصر اسمه بالحروف الأولى "ر ش ب ح" وترجمة سعيد عطية علي مطاوع وسهير سيد أحمد دويني، ومراجعة أحمد محمود عطوة هويدي، وذلك في إطار اهتمام وزارة الثقافة برئاسة الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، بإثراء المكتبة العربية بالأعمال المعرفية الكبرى، وفتح آفاق جديدة للتفاعل مع تراث الحضارات والثقافات المختلفة، ويمثل الإصدار إضافة علمية ومعرفية مهمة إلى المكتبة العربية، ويقدم للقارئ والباحث أحد أبرز مصادر التفسير التوراتي في العصور الوسطى، بعد نقله إلى العربية.
ويأتي صدور الكتاب في سياق الدور الذي يضطلع به المركز القومي للترجمة في إتاحة الأعمال الفكرية والتراثية ذات القيمة العلمية، وتعريف القارئ العربي بمصادر معرفية تنتمي إلى ثقافات ولغات مختلفة، بما يفتح مساحات أوسع للحوار بين الحضارات، ويمنح الدراسات العربية أدوات جديدة لفهم النصوص والتراث الإنساني في سياقاتها التاريخية والفكرية.
ويعد "شرح التوراة" أحد أهم المصادر التفسيرية لأسفار التوراة في القرون الوسطى، إذ يمثل امتدادًا عقلانيًا لمنهج الربي سعديا الفيومي، ويقوم على منهج تفسيري راسخ يستند إلى التحليل اللغوي والدلالي؛ حيث اعتمد مؤلفه على وضع قوانين معجمية ومبادئ في النحو والبلاغة، مستمدة ومقتبسة بشكل مباشر من علوم وتفاسير المسلمين، ومن بينها استخدام تقسيمات البيان، والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه.
ويتناول الكتاب نصوص التوراة بأسلوب يقوم على الشرح والإسهاب واستعراض المسائل، مع عقد المقارنات بين العهد القديم والتلمود، كما يدخل في بعض المواضع في مناقشات فقهية وقضائية متأثرة بأدب القضاء الإسلامي، بما يكشف عن مساحة التفاعل المعرفي بين البيئات والثقافات في تلك الحقبة، ويمنح العمل أهمية خاصة في دراسة تاريخ الأفكار وتداخل المناهج العلمية واللغوية بين الحضارات.
كما يركز التفسير على نفي التجسيد الإلهي ورفض عدد من المعتقدات الخرافية، مثل السحر والتنجيم والعرافة والأشباح، مستندًا إلى المنطق والعقل، ومبينًا أن المعجزات الخارقة للعادة لا تقع إلا على أيدي الأنبياء، وهو ما يكشف عن حضور واضح للمنهج العقلي في قراءة النصوص وتفسيرها.
وتتضاعف القيمة العلمية للكتاب لما يقدمه للباحثين في مجالات العهد القديم، ودراسات حوار الأديان والحضارات، وتاريخ المستويات اللغوية للعربية في العصر الوسيط، فضلًا عما يكشف عنه من تفاعل عميق بين مناهج التفسير واللغة والبلاغة والقضاء في التراثين الإسلامي واليهودي.