شذرات نقدية

(١)«باهبل» رجاء عالم.. سردية مكية بامتيازتنبني «باهبل» في سرديتها من خلال التشظي الحكائي، وفي هذا السياق ينزلق القص إلى منطق سردي سريالي أو منطق واقعي-سحري حين يبلغ هذا التشظي ذروته في تصور عباس بطل الرواية خروج أخيه نوري من الفتق السري الذي كان يعاني منه فتنقسم شخصيته إلى انفصامية نفسية لازمته في تاريخه الحياتي كله وتصارعت في داخله حالتا الذكورة والأنوثة مع ميل واضح للشعور الأنثوي ما أثر على معالم وحدود علاقاته مع عمّاته داخل الأسرة المكية التقليدية النمطية المسيطر عليها الرمز الأبوي السلطوي المتمثل في شخصية مصطفى السردار والمقرر لمصائرها وآمالها وتحولاتها.في داخل حصار هذه الدائرة المغلقة تنجح الروائية في تقديم نماذج للنساء المكيات المتشوفات للتغيير وتنجح هؤلاء النساء (سكرية ونورية - نموذجاً) كأبطال للتغيير والتحوّل الاجتماعي وفي استشراف ملامح هذا التغيير بالخروج من حصار العلاقات الاجتماعية الصارمة وضغوطات الإذعان القسري ودونية المرأة من خلال التمرد الصامت واستغلال فرص السفر وحب الثقافة والفن والحلم بالرجل/النموذج الذكوري المختلف (عباس/نوري - نموذجاً).الرواية رحلة ثرية هائلة احتشدت بالشخوص المكية المتعددة المتجذرة في محليتها وتربتها وأفكارها، ورحلة شديدة الخصوصية في اللغة المحكية حتى تكاد الرواية تكون سجلاً حافلاً وغنياً بالكلمات وأساليب الحكي الموروثي المكي التي تدل على عمق العلاقات البينية ومفاهيمها وتصوراتها للأشياء والأحداث.(٢)أنهيت قراءة رواية «جرما الترجمان» للروائي محمد حسن علوان الصادة عن دار تشكيل. والحقيقة لم أجدها في قوة وتقنية وجمالية لغة سردها كالتي وجدتها في روايته السابقة «موت صغير». صبرت على قراءتها حتى الصفحة الأخيرة على مضض.. وحاولت التفكّرفي مدى ضعف الجاذبية الحدثية أو منطقيته التاريخية وسيرورته الذي دعا الروائي وجذبه إلى هذا الخوض السردي الطويل والممل لشخصيات تاريخية غير معروفة أو ذات أثر باقٍ (السلطان التركي جم وترجمانه المسيحي) إضافة إلى افتقار هذه الشخصيات لأي من الدلالات المعرفية أو السياسية أو الإشكالية..عكساً لما بدا لنا في أطروحته السردية الرائقة لشخصية ابن العربي «موت صغير» التي أضاءت الجوانب الخفية والمسكوت عنها لشخصية مثقلة بالإشكالات والرؤى الفلسفية وجاءت في لغة سردية تاريخية ومعاصرة مفعمة برواءٍ جمالي وخيالي مبدع.. وتشويق مبهر، كما لم ألمسه وأجده متحققاً في «جرما الترجمان».(٣)«ترميم الذاكرة» لحسن مدنحين أنهيت قراءة السيرة الثقافية للصديق حسن مدن «ترميم ذاكرة» التي سمّاها «ما يشبه السيرة».. أصابني شعور مفعم بالحب والأسى في الوقت ذاته.الشعور بالحب والأسى أخالهما نتجا عن دفق الحميمية والشفافية والرواء الروحي والإنساني للكاتب وقد انسابت والتمعت بين سطور السيرة حتى أن دموعي كادت تطفر عند بعض مقاطعها -إذ كانت تذكرني بأمكنتي المكيّة الطللية التي كانت- وتبتهج روحي عند مقاطعٍ أخرى من حكاياته وسردياته المتلاحقة في سياق زمنه وتاريخه الشخصي.. وأمكنته.. كأنه يحكي تاريخنا الثقافي المشترك.الحب والأسى كجديلة تعبيرية امتدت ظلالها الشجية بين دفتي السيرة أجاد الكاتب تضفيرها وتضمينها أطيافاً من تداعيات الطفولة وأمكنتها المنمحية، وصور منقضية من ذكريات الصبا واستدعاءاتها الحزنية في الوعي الجمعي وتخييلات المكان الذي كان.كما أن هذه السيرة الحياتية الثقافية وجدتها لم تقف عارية مطلقة خلف شفافيتها وبوحها العذب بل خلع عليها الكاتب بعضاً من رداء فكره وشغافِ تأملاته الفلسفية في لغةٍ أدبية رفيعة وعذبة تكاد تكون في بعض محطاتها فصولاً سردية أو قصصاً قصيرة ذات نفسٍ إبداعي.والكاتب الصديق حسن مدن رغم انغماساته ونشاطاته في العمل السياسي والحقوقي والاجتماعي على مديات زمنية ليست بالقصيرة وممتدة، إلا أنه قارئ ممتاز للتجربة الأدبية العربية والعالمية وعاشق شغف للأدب الروسي الكلاسيكي وبخاصةٍ اعمال تشيخوف كشغفي ذاته، لذا فقد تميزت كتاباته وأبحاثه بلغة أدبية مبدعة دافئة متخلّصة من صرامة اللغة السياسية وتخشبات الرؤى الأيديولوجية.(٤)النقد الإبداعيمن النقّاد المرموقين الذين رحلوا وتركوا بصمات واضحة ومؤثرة في السياق النقدي العربي، الناقد الكبير المبدع إبراهيم فتحي، فهو من النقّاد الذين لا يُحسبون على الأكاديميين من أي جهة، ولم نجده مستعرضاً أو مطبقاً لمفاهيم منهجية جافة وخارجة عن دائرة التذوق الإبداعي، والتأمل النقد-فلسفي، فهو حين يكتب فإنه يفعل بروح المبدع الثاني للنص. فعل النقد بين إهابه حالة إبداعية متشابكة لا ترتكن إلى منهجية محددة وصارمة، وهذا لا يعني أنه في كتاباته النقدية مفتقد للرؤية العلمية لكنها الرؤية غير المحايدة منغمسة في الدوافع النفسية والإنسانية والموضوعية والأدبية الغزيرة للنص وعلاقاته مع خارجه، وفي الروح الفلسفية المطلقة للإبداع في كيفياته وتكويناته التعبيرية، ونحن حين نقرأه نجدنا أمام دفق من الإبداع النقدي الموازي، ولسنا أمام لغة نقدية منفصلة متعالية منهجية وخالية من الرواء الشعري أو التأملي، فلننظر كيف كتب رؤيته النقدية المبدعة في بعض محطاته والتفاتاته، وهو يخوض في العالم الروائي المحفوظي.. إنه يكتب ويحلل روايات نجيب محفوظ كما كتب وحلّل سارتر شعر بودلير، أو كما كتب هيدجر عن شعر هلدرين أو هارولد بلوم عن شكسبير، فهو يعيد تسريد الحكاية في الرؤية النقدية والتأملية، كما فعل سارتر في شعرنة التحليل الفكري وإعادة تمثيل الشعري في الفكري، متمنياً أن أكتب مثلهما محاوراً النص الشعري أو السردي في حقلٍ من الدلالات والتأملات والتصورات، يتقاطع فيها الفني والإنساني والفكري النقدي في الكيفية التي تعيد كتابة العمل في فضائه الإبداعي النقدي.وهنا بعض النماذج القليلة تكشف لنا هذه الروح الإبداعية المتدفقة للناقد إبراهيم فتحي:١- «ويقدّم لنا السرد القصصي في الشحاذ والطريق، حساء المعدمين طافية عليه عظام المطلق، وأشواك لغز الوجود وقشور معنى الحياة».٢- «وتتعرّض الشخصية الإنسانية للتدمير تحت سطوة الأشياء، والعلاقات الفكرية المجردة التي تحكم حركتها».٣- «لكننا نلاحظ أن الجثث الميتافيزيقية الباردة في روايات محفوظ الأخيرة، تتطفل على مقدرته الفنية الخارقة، وبراعته الروائية المذهلة في خلق حركة الحياة».٤- «إن كاتبنا الكبير يسلط على الواقع شيئاً يقترب من الأشعة السينية، يختزله إلى هياكل عظمية فكرية لكنه لا يغفل في الكثير من الأحوال، أن يحيّي حضور اللحم والدم والانفعال بكل نضرته، وتعقيده وغنائه الفريد».(٥)المثقف.. الموقع والدورعلى مر التاريخ الحديث كان للمثقف دوره الوطني والإنساني وما زال له هذا الدور. ليس هناك ما يمكن استعادته من دورٍ مفقود..المفقود في نظري هو تاريخية الرؤية، والدور، بمعنى لا يمكن للمثقف أن يؤدي دوراً ما وطنياً، وإنسانياً في ظل المفاهيم القديمة نفسها، والعلاقات الثقافية-المجتمعية ذاتها التي تبقي على الكينونة القدسية والاستعلائية للمثقف على المجتمع.والواقع.. لا بد من علاقة جدلية جديدة يتعلم فيها المثقف من محيطه الاجتماعي بالقدر ذاته الذي يتعلم فيه من مصادره المعرفية ومن كتبه وقراءاته.إن الوعي التاريخي وفهم حقيقة العصر ومتغيّراته، وجدليات التحوّل المعرفي والتقني هو في نظري ما يسهم في تأجيج دور تجديدي للمثقف.ولا شك أن الروائي المثقف واسع الاطلاع من أكثر الناس حساسية بالواقع ومتغيّراته، شواهده وبواطنه، تشوّفاته.. وصبواته، وآماله المتمزقة بين ذاتيتها وموضوعيتها.. ومن أقدرهم على رصد وتحليل التحوّلات المادية والنفسية والأيديولوجية.. بل ورصد الشغاف الداخلية للأنساق والتعبير عنها بصدق فني وموضوعي.