شذرات إستراتيجية

في تاريخ الأمم، لا تُقاس قيمة القادة بحجم الخطابات التي يلقونها، بل بحجم التحولات التي يتركونها على الأرض.

ومن هذا المنطلق، يرى كثير من الباحثين والمراقبين أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يمثل أحد أبرز الشخصيات السياسية التي قادت مصر في مرحلة شديدة التعقيد، حيث واجهتِ الدولة تحديات أمنية واقتصادية وإقليمية متزامنة فرضت عليها تبني نموذج يعتمد على استعادة مؤسسات الدولة وبناء البنية التحتية وتوسيع قاعدة التنمية.

غير أن الإنصاف في تقييم هذه التجربة يقتضي أولاً فهم البيئة الاستراتيجية التي أحاطت بها، إذ لم تكن مصر تعمل في فراغ سياسي أو أمني، وإنما في قلب إقليم يعج بالصراعات والأزمات والتحولات الكبرى.

من أهم العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم تجربة الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر لم تعمل في بيئة مستقرة، بل واجهت تحديات غير مسبوقة في محيطها الإقليمي، حيث أحاطت بها أزمات أمنية وسياسية وصراعات مسلحة من مختلف الاتجاهات، الأمر الذي فرض على القيادة المصرية تبني استراتيجية تقوم على الحفاظ على تماسك الدولة وحماية الأمن القومي بالتوازي مع استمرار عملية التنمية.

فعلى الحدود الغربية، عانت ليبيا لسنوات من حالة عدم الاستقرار والانقسام الداخلي وانتشار الجماعات المسلحة، بما شكل تحديًا مباشرًا للأمن المصري.

وعلى الحدود الجنوبية، دخل السودان في صراع داخلي معقد أدى إلى تدفقات بشرية واسعة وتداعيات إنسانية وأمنية ألقت بظلالها على المنطقة بأسرها.

أما في الشمال الشرقي، فقد أدتِ الحرب في قطاع غزة إلى خلق واحدة من أكثر البيئات الأمنية والإنسانية حساسية بالنسبة لمصر، بما فرض عليها مسؤوليات دبلوماسية وإنسانية وأمنية كبيرة، سواء في جهود الوساطة أو في إدارة تداعيات الأزمة على حدودها.

وفي البحر الأحمر وباب المندب، أسهمتِ التطورات المرتبطة باليمن والتوترات الأمنية في تهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وهو ما انعكس على حركة التجارة الدولية وأثَّر في الملاحة المرتبطة بقناة السويس، أحد أهم الموارد الاقتصادية للدولة المصرية.

كما أن منطقة القرن الأفريقي، بما فيها الصومال وبعض بؤر التوتر الأخرى، شهدت خلال السنوات الماضية تحديات أمنية وسياسية متشابكة دفعت مصر إلى تكثيف حضورها الدبلوماسي والأمني في إطار رؤية أوسع لحماية مصالحها الاستراتيجية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي ظل هذه البيئة الجيوسياسية شديدة التعقيد، يرى مؤيدو الرئيس عبد الفتاح السيسي وأنا منهم أن نجاح الدولة المصرية في الحفاظ على وحدة مؤسساتها واستمرار تنفيذ مشروعاتها القومية الكبرى، رغم ما أحاط بها من أزمات إقليمية واضطرابات ممتدة، يمثل إنجازًا استراتيجيًّا لا يقل أهمية عن الإنجازات الاقتصادية والعمرانية، ويعكس قدرة الدولة على الموازنة بين متطلبات الأمن القومي ومتطلبات التنمية المستدامة.

منذ توليه المسؤولية عام 2014، تبنى السيسي رؤية تقوم على أن الأمن القومي والتنمية الاقتصادية وجهان لعملة واحدة، وأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تنهض دون شبكة متكاملة من الطرق والموانئ والطاقة والمدن الجديدة والزراعة والصناعة.

وقد انعكس ذلك في إطلاق سلسلة من المشروعات القومية الكبرى، مثل: تطوير شبكة الطرق، توسعة قناة السويس، إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، والتوسع في مشروعات الكهرباء والطاقة واستصلاح الأراضي الزراعية خاصة في الوادي الجديد والواحات وسيناء.

وقد وثَّقتِ الجهات الرسمية المصرية هذه المبادرات بوصفها جزءًا من استراتيجية طويلة المدى لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني.

ومن منظور استراتيجي، فإن فلسفة الإدارة في عهد السيسي تقوم على الاستثمار في الأصول طويلة الأجل، حتى وإن تحملتِ الدولة تكاليف مرتفعة في المدى القصير.

فشبكات النقل الحديثة لا تُبنى لخدمة الحاضر فقط، وإنما لخلق بيئة استثمارية تمتد آثارها لعقود، كما أن إنشاء مدن جديدة يهدف إلى تخفيف الضغط عن القاهرة الكبرى وخلق مراكز اقتصادية وإدارية بديلة.

ويشير مؤيدو هذه الرؤية إلى أن مصر شهدت توسعًا كبيرًا في قدراتها الكهربائية بعد إنشاء محطات إنتاج حديثة، ما أنهى أزمة انقطاع الكهرباء التي كانت تؤثر في حياة المواطنين والقطاع الصناعي، كما شهدتِ الدولة توسعًا في مشروعات الاستصلاح الزراعي والتنمية الريفية بهدف تعزيز الأمن الغذائي وتقليل فجوة الاستيراد.

وعلى المستوى الأمني، يعتبر أنصار الرئيس أن نجاح الدولة في استعادة السيطرة على بؤر الإرهاب، خاصة في شمال سيناء، أسهم في حماية مؤسسات الدولة والحفاظ على استقرارها في منطقة تشهد اضطرابات جيوسياسية متواصلة، وهو ما انعكس على قدرة الحكومة على تنفيذ خططها التنموية.

أما في السياسة الخارجية، فقد انتهجت مصر سياسة تقوم على تنويع الشراكات الدولية والحفاظ على التوازن في العلاقات مع القوى الكبرى والإقليمية، مع استمرار دورها في ملفات الوساطة الإقليمية، وفي مقدمتها: القضية الفلسطينية والأزمات العربية المختلفة، والحرب الايرانية الامريكية الأخيرة، بما يعزز مكانة القاهرة كلاعب محوري في الشرق الأوسط.

ولا يمكن إغفال أن التجربة واجهت تحديات اقتصادية حقيقية، من بينها: الضغوط التضخمية وارتفاع الدين العام، تأثيرات الأزمات العالمية مثل جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية والحرب الروسية الأوكرانية، وهي عوامل ألقت بظلالها على الاقتصاد المصري كما أثرت في اقتصادات كثيرة حول العالم.

إلا أن المؤيدين يرون أن الدولة فضَّلتِ الاستمرار في الاستثمار في البنية الأساسية باعتبارها قاعدة للنمو المستقبلي.

ومن الناحية الأكاديمية، يمكن توصيف نموذج الحكم في عهد السيسي بأنه نموذج “الدولة التنموية المركزية”، حيث تلعب الحكومة دورًا محوريًّا في التخطيط والتنفيذ وقيادة المشروعات الكبرى، مع التركيز على سرعة الإنجاز ورفع كفاءة البنية الأساسية، وهو نموذج يشبه في بعض جوانبه تجارب دول اعتمدت على الدولة بوصفها محركًا رئيسيًّا للتنمية.

لم تقتصر رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي على مشروعات البنية التحتية والاقتصاد، بل امتدت إلى إعادة إحياء القوة الناعمة المصرية، من خلال: الاهتمام بالسياحة بمختلف أنماطها، السياحة الثقافية والأثرية، السياحة الشاطئية، السياحة البيئية، السياحة العلاجية، السياحة الدينية، بما يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية هذا القطاع باعتباره أحد أهم مصادر الدخل القومي وأدوات تعزيز الصورة الحضارية لمصر أمام العالم.

وفي هذا السياق، أولتِ الدولة اهتمامًا كبيرًا بحماية التراث الحضاري وترميم المواقع الأثرية وتطوير الخدمات المقدمة للزائرين، إلى جانب تحسين البنية التحتية للمناطق السياحية وربطها بشبكات الطرق والمطارات الحديثة.

كما شهدت مصر تنظيم فعاليات عالمية لاقت اهتمامًا دوليًّا واسعًا، مثل: موكب نقل المومياوات الملكية وافتتاح طريق الكباش، وهي أحداث رسَّخت صورة مصر باعتبارها متحفًا مفتوحًا للحضارة الإنسانية.

ويأتي افتتاح المتحف المصري الكبير تتويجًا لهذه الرؤية، إذ يمثل مشروعًا ثقافيًّا وحضاريًّا عالميًّا يهدف إلى عرض كنوز الحضارة المصرية القديمة وفق أحدث المعايير المتحفية الدولية.