يأتي العيد في جوهره كطاقة من التجدد «وزلزلة من الفرح والسعادة» والتهاني والتزاور والتواصل الإنساني، وحينما تستقبل المحترفات الفنية هذه الطاقة، فإنها تترجمها «كمحاولة للإمساك»باللحظة»، وتجمدها في إطار من الضوء واللون كحالة من التجلي الإنساني والروحي، حيث لا تعود الأطياف والمقامات اللونية مجرد صبغة أو كساء على مساحة ممتدة، بل نبضاً بصرياً وصوتاً يصدح بسيمفونية احتفائية حية تنقل للمتلقي «الذبذبة الارتدادية» لبهجة العيد. «أرشيف البهجة البصري» قراءة في سيميائية اللون والضوء بلوحات العيد تنبري «سيمفونية اللون والضوء» في محترفات الفن التشكيلي كصياغة بصرية «للزمن البهيج» ومحاولة واعية من الفنانين لتوثيق تلك اللحظات الإنسانية، وتحويل طاقة العيد لجمالية مستدامة تمنح المتلقي طاقة متجددة من الأمل والمسرة، حيث يأتي الأيقوني «يوسف جاها» ليعيد صياغة مفهوم التجريد في المحترف التشكيلي العربي، محولاً اللوحة من مجرد مساحة لتوثيق الواقع لفضاء «سيكولوجية البهجة» والتي لا يبحث فيها عن تعقيد المتلقي وإرباكه، بل تمديد جسور مباشرة من الصفاء البصري والروحي من خلال جماليات شديدة الخصوصية. فاعتمد «جاها» على توليفة لونية جريئة تنبض بالاحتفالية، وتجعل اللوحة تفور بحالة من البهجة الحركية «فالفرح» في تراكيبه التجريدية ليس مجرد استخدام للألوان الفاتحة فحسب، بل «ديناميكية وحيوية صراع الألوان» وتحويل الكتلة الداكنة لفضاء مبهج -مطعوماً بالخطوط الراقصة المضيئة- ليظل وفياً لأسلوبه الذي يبث الاتساع الروحي والعيد في نفس المتلقي، ومنهجه الذي يغزل نسيجاً بصرياً ومناخاً احتفالياً يشع بالطاقة والحيوية يجمع فيه بين التجريد الغنائي والرموز الحروفية. وقد عزز المرح باندماج الحروف العربية مع التجريد اللوني لتجسيد بهجة الهوية والاحتفاء بالموروث الثقافي، من خلال صياغة الكتل والمساحات بألوان مبهجة (كالبنفسجي، الأصفر، الأبيض) وبخطوط لينة منحنية ومعالجات تبث طاقة حركية، وذبذبات تشحذ الأشكال لتبدو وكأنها في دوران ورقص داخل فضاء اللوحة. وانبرت تجربة الفنان «عبدالعزيز الناجم» كمصادر لإشعاع الطاقة الإيجابية خلال توثيق حيوية الاحتفالات كتيمة محورية في مسيرته، من خلال غوصه في جوهرها الحركي والنفسي، ليعيد تقديمها «كجسد بصري للمناسبات ذاتها» بأسلوب متكئاً على عناصر جمالية بالغة الحيوية، لتتحول أعماله لتظاهرة بصرية تنبض بالحركة وتفيض بالصوت والبهجة، وتتوهج باللون، وتعكس أجواء الحماس المصاحبة للمناسبة وعفوية العيد. لقد ارتكل «الناجم» في تجاوز النقل الفوتوغرافي الصارم للمناسبة، والانحياز «لتعبيرية الحركة» في صياغة مفهوم الاحتفالية عبر هذه التوليفة اللونية والخطية العفوية في التقاط جوهر «العيد والبهجة»، والقدرة على جعل المتلقي «يسمع» التكوين، عبر تصوير الشخوص في حالة تلاحم جسدي وإيقاعي متسق، يعكس روح الجماعة، وشحن مفرداته البصرية في لحظات الاحتفال بطاقة سمعية تنقل صخب الأعياد وتؤطر حيوية اللحظة، مع حضور رموزه الثقافية، وهو ما يمنح العيد في أعماله هوية محلية خالصة، قريبة من وجدان المتلقي. وتستدعي تجربة الفنانة «علا حجازي» عبر ريشتها حالة مشبعة ببراءة الطفولة وبهجة «العيد» عبر طقس إنساني احتفالي حميم ساحر، وسيمفونية لونية بصرية تتكامل فيها المخططات اللونية مع التعبير الحركي لتصدير طاقة الفرح، خلال «حلقة اللعب الدائرية للأطفال» في مركز اللوحة كرمزية للاكتمال والاتحاد والاستمرارية، والتي تتشكل فيها أجساد الأطفال المتلاحمة الأيدي وتمايلهم في دوران، مما يجعل اللون يتحرك في مسار دائري متدفق ينقل صخب الضحكات ولعب العيد. لتنبري دفقات اللون عند الفنانة كقوة محركة وديناميكية وليس كطلاء خارجي يرتسم على عناصر العمل والأشياء، بل كقوة نابعة من قلب العمل لدعم فلسفته وخصوصية الفنان. وأسس الفنان «خالد سرور» «لمفهوم البهجة الشعبية» عبر صياغات بصرية لا تنقل الحارة والأعياد فوتوغرافياً، بل يلتقط «الأثر النفسي لذلك في وجدانه» ويشخصه في أسلوب يحول الذاكرة المحلية للغة تشكيلية عالمية، تتسم ببراءة الشكل ونقائه، وربط ملامح الفن الشعبي مع تجريدية معاصرة تؤسس «إيقاع بصري» يشبه دقات الموسيقى، والذي ينتقل عبر عين المشاهد من ذروة الحركة إلى مساحات التأمل. لتتحول الحارة المصرية لديه من مجرد حيز جغرافي إلى فضاء رمزي «ومستودع ذكريات» مرئي لطقوس احتفالية شعبية، حيث طاقة المرح والعلاقات الإنسانية، فلا مكان لمساحة حزن أو انزواء، فكل عنصر لديه يتحرك ويصدر صوتاً ويحتشد مع عناصر أخرى في حيوية ليتكون «زحام الاحتفالات اللطيف»، حيث يذوب الفرد في المجموع تعبيراً عن حالة فرح جماعي. وتنحاز التجارب البصرية للفنان «أحمد رفعت» إلى طابع مفاهيمي وتأملي خاص يرتبط فيه اللون «بالخامة، والرموز» واسترداف اللون ليس بهدف الوصف والتصوير، بل لتدشين فضاءات وتكوينات تأملية تمتزج فيها الحروف مع الأشكال والرموز عبر عمليات التلخيص والاختزال وتجاوز المباشرة لصالح تحويل السطح الصغير إلى جدارية فكرية محملة بأسئلة الهوية، وتخصيب وسائط روحية وفلسفية رصينة تعزز طاقة باطنية متحركة خلف المشهد الساكن، ليصبح المشاهد في مواجهة مباشرة مع الرسالة الفكرية والحالة الوجدانية الصافية التي يطرحها الفنان، لذا ينبثق اللون في محترف الفنان» من رحم الخامة وجوهر المفهوم، وسيادة لون الخامات الطبيعية المستخدمة، والبعد عمداً عن صخب الألوان المشبعة. ولأن اللوحة لم تعد رصداً لواقع مرئي، بل أصبحت «حالة ضوئية لبلورة البهجة ودعوة مفتوحة للتأمل والابتهاج والتصالح مع الجمال، طرحت الفنانة نوال السريحي التجريد الاحتفالي كنموذج بليغ يتحول فيه مسطح اللوحة لسيمفونية بصرية تتناغم فيها النغمة اللونية مع التوهج الضوئي، لتصدير حالة مكثفة من البهجة الحركية، من خلال وعي سيكولوجي حاد لطبيعة الألوان، وذكاء لوني يمزج بين مخططات لونية متعددة في آن واحد لمنح سطح العمل حياة تبدو فيه العناصر الملونة وكأنها شخوص مضيئة تطفو من عمق كوني مبهج. وصاغت الفنانة هالة شافعي أيقونة بصرية للسرور عبر مخططاتها اللونية المعبرة وضربات فرشاتها المشحونة بالطاقة، فهي تتعامل مع الأطياف اللونية كما يتعامل الموسيقي مع المقامات، فألوانها طاقة شعورية مكثفة، وعنصر درامي يحتفي بالوجود ويمنح الأشياء قدسيتها وبهجتها، للتعبير عن صخب الطبيعة وسحرها دون السقوط في قتامة الغموض، حيث يذوب المشاهد في هذا الحشد اللوني، والحديقة الميتافيزيقية والتي تجسد فيها المخططات اللونية الدور البنيوي والتعبيري الرئيس في طرد السكون وبث طاقات البهجة والحيوية. *الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد من أعمال علا حجازي من أعمال عبدالعزيز الناجم من أعمال خالد سرور من أعمال نوال السريحي من أعمال يوسف جاها