ترسم بعين «البريء العارف» الذي يرى العالم بصدق دون تكلف أو التزام بالجوانب التشريحية الصارمة، وهو ما جعل أعمالها تتنفس خارج حدود النمطية، وتصطبغ بمعادلات لونية مشحونة، كفعل راديكالي ومحرك عاطفي يهدف لتحرير الفن من سلطة المنطق وإعادته إلى سلطة الوجدان. أعمالها هي دعوة للعودة إلى الذات الأولى، وملاذ بصري يستمد قوته من البراءة، واستثمار للفطرية وانحياز لها كمعادلة فنية بليغة تخاطب الوجدان الجمعي بذكاء وحساسية مفرطة، باسترداف أدوات الحداثة لتهشيم قسوة الواقع وترجمة المعاني في تكوينات صورية تعيد فيها بناء عالم أكثر صفاءً وبراءة، عالم تبوح لنا فيه بأن البراءة هي الوسيط القادر على ترميم تصدعات الروح والحجر، وتحويل تمزقات الزمن إلى معلقات مفعمة تعتمد على الصدق، والمباشرة. فالفنانة سحر الأمير أحد الأسماء البارزة التي استطاعت صياغة لغة بصرية خاصة مؤسسة في جوهرها على تحقيق «البلاغة البصرية» التي يصبح فيها الخط انفعالاً، واللون حالة شعورية، والملمس نبضا ًداخل مساحة «ذكية» تتقلص لتبرز حميمية اللقاء بين العناصر، وتتسع لتجسد شعوراً بالحرية والانطلاق، وتصبغ العناصر بثقلها الوجداني، لجعلها تطفو في عالم أثيري ينحو عن ضجيج الواقع. وهو ما يحول لوحتها من مجرد سطح مرسوم إلى كيان حي ومن تسجيل تجربة مرئية إلى صياغة رؤية وجودية ذات بساطة مقدسة، وتحريف واعٍ يخاطب البصيرة قبل البصر، فالفطرية لديها كمنهج ليست تبسيطاً ساذجاً، بل فلترة لفلسفة خاصة وتعقيدات بصرية تهدف للوصول إلى الحقيقة وجوهر الأشياء. "بيوت مقصوصة": هندسة العاطفة وترميم الذاكرة بقصاصات الحنين تضعنا تجربة الفنانة سحر الأمير أمام تحليل فلسفي وجمالي رصين، فهي لا تقدم فناً بالمصادفة ولا ترسم ما تراه العين كمحاكاة فوتوغرافية للواقع بل تقدم ما تدركه البصيرة كتمرد ناعم وعملية استدراج مقدس مقصود للروح بعيداً عن المساعي الممنهجة، وجفاف المنطق الاتباعي الصارم الذي يبني اللوحة بالمسطرة ويحولها لمعادلة رياضية جافة، واستبدال ذلك بتوازنات الروح والتنقيب في أغوار الداخل والجوهر الجواني لاستخراج القيم الروحية، لينمو العمل ككائن حي يعج بالحركة والمرح والفرح كمحركات أساسية للتكوين. وفي بلاغة المقصوص يأتي فعل القص في المعرض ليحمل دلالة فلسفية، فالقص يعني الاختيار، وانتزاع اللحظات من ركام الواقع المتهدم، فقطع القماش الملون هي وعاء للمشاعر ومخزن للأحلام ورائحة الحكاوي والقصص وصخب ثياب الأطفال، لتثبت الفنانة أن الكولاج والقصاصات كانتا وسيلتها الأقوى لإثبات أن البيوت هي الحقيقة التي نحملها في ذاكرتنا وفي أشباح حكايات قديمة حنينية وليست التي نسكنها فقط. ففي محاولات للبحث عن الحداثي المعزز للاقتضاب والشاعرية البليغة، تأتي أعمالها كحيز محمل بزمن الطفولة والفطرية، ولحظة الصفاء، وزمن الحلم الذي يتجاوز حدود «اللوحة» التقليدية لينسج بيتاً من القماش والذاكرة، فهي لا ترسم فوق السطح، بل ترسم حدود فاصلة بين زمنين الماضي والحاضر المتجدد، وتبني ذاكرة بصرية تستمد طاقتها من براءة الحياة اليومية، لذا لا يجد الجمهور نفسه في بيوت مقصوصة أمام عملية تشييد معمارية، بل بمجابهة عملية لترميم الوجدانية، وبناء ملاذات من الحنين، والحضن، فالبيت في أعمالها هو كائن حي (يميل، ينحني، يتداخل) لكونها تعبر عن حالة الإنسان لا عن جدران البيت نفسه . فهي لا تكتفي بتصوير البيت، بل تجعلنا نشم رائحة الحكاوي المنبعثة من مسام القماش والحياكة، لينبري النص البصري لديها بطرح معادلة تعيد خلالها بناء البيوت خلال قصاصات القماش والتقنيات المختلطة، وترويض القماش من مادة صماء إلى لغة سيميائية تمنح البيوت المقصوصة روحاً تفتقدها الجدران الصخرية الصلبة، وذلك ببراعة فطرية تتخطى فيها المسعى العقلاني للهندسة المعمارية الصلبة، لتقدم هندسة عاطفية كمعادل نابض للحقيقة تتجاوز به الفنانة الواقع البصري المحسوس والوصول للجماليات الروحية. «سحر الأمير» جيولوجيا الذاكرة وتراكم الحكايات فوق سطوح الكولاج لا تغرق سحر الأمير أعمالها بتفاصيل مزدحمة تشتت الذهن، بل تترك للمتلقي مساحة كافية داخل اللوحة ليتحرك فيها بخياله ومشاعره، ومنظومة اختزالية تجعل أعمالها تصل للقلب مباشرة دون حاجة لوسيط فلسفي معقد، فأعمالها ليست مجرد تصاوير، بل هي طاقة شعورية تعيد صياغة الواقع بروح وبراءة واعية، ولغة حداثية ذات بداهة نابضة تجسد الحلم في تفوق على صلابة الحجر والواقع في رسم لوحات تنسج فيها عوالم روحية وتعبيرية كمعادل بصري لحقيقة إنسانية كاملة، وطاقات روحانية تستثير الوجدان. وبعيداً عن الممارسات التلوينية الآلية، يأتي تراكم طبقات الألوان فوق بعضها البعض، كممارسة تعبر من خلالها على تراكم الحكايات والعمق الزمني والنفسي، وهو تراكم كولاجي يكسي أعمالها بالكثافة الروحية التي تمزج خلالها مواد الحياة اليومية بمواد ووسائط المصور التقليدي وروح الفطرة لصياغة تجربة خصبة تجتر ادهاش المتلقي، والذي لا يرى لوناً مجرداً، بل عمراً مكثفاً في مساحة لونية، وصراع بين الفناء والدوام في وحدة واحدة نابضة بالبراءة تخلق نوعاً من المواجهة الإنسانية الدافئة. في عوالم سحر الأمير وعلى سطوح لوحاتها الكولاجية ومعلقاتها الذاخرة بطبقات الألوان القماش لا تموت، ولا تندثر البيوت، بل يُعاد تدوير الخامات في مخزن الأحلام، حيث يتحول الفن من مجرد تمثيل بصري إلى دعوة للمصالحة مع كل ما هو مُهمل مكسور، وبعث الروح في تمزقات القماش البالي والزمن البشري الفاني وترجمة ذلك عبر لمسات الفرشاة والمقص والإبرة والخيط، والتي تمنح العمل رصانته الجمالية والتعبيرية. حيث تتجاوز سحر الأمير التعريف التقليدي للمصور لتصبح راوية الحكايات، فكل قطعة قماش مطرزة أو مزخرفة هي معادل لفكرة البيوت المتهدمة وخزان ذكريات يسرد حكايات أصحابها، ليتحول بقايا القماش المتناثر في أعمالها من كونه نفاية إلى كونه قصص من خلال الاشتباك الفني بين الفناء المادي والبقاء الإبداعي، وكأنها تقول إن الذاكرة قادرة على هزيمة العدم الذي يصبح فيه هذا المهمل هو البطل الحقيقي الذي يجتر إدراك وحواس المتلقي للغوص في العمل ككتاب مفتوح. ولأن كل عمل لها هو حكاية تُقرأ بالقلب قبل العين، تتعامل الفنانة مع اللون بجرأة فطرية وبراءة محملة بخبرة المصورة الأكاديمية المحترفة، لترويض خصائص اللون ليبدو وكأنه يشرق من داخل اللوحة لا فوق سطحها، وتسطير المفهوم لنصوص أدبية غير مكتوبة، فاللون لديها ليس غلافاً، بل مادة مشحونة محملة بالدفء والحنين والبهجة والبراءة والأمل والترقب والشجن والصدق والذاتية وحالة شعورية تعكس الحقيقة الجوانية للإنسان الذي يقاوم فناء الحجر بليونة وعفوية النسيج. الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد