«أزرار نابوليون.. كيف تغير التاريخ بفضل سبعة عشر جزيئاً» (تأليف بني لو كوتور، وجاي بورسون، وترجمة سهيلة رمضان) كتاب يمزج بين التاريخ وعلم الكيمياء، ليثبت كيف يمكن للتغيرات الضئيلة على المستوى الجزيئي للمركبات الكيميائية أن تحدث تحولات كبرى في مسار الحضارة الإنسانية.ينطلق الكتاب من فكرة مثيرة وهي أن الأحداث التاريخية الجسيمة، والتحولات السياسية، والاقتصادية، حتى العادات اليومية للبشر، لا تعود فقط لقرارات القادة أو الحروب، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ«بنية الجزيئات» وروابطها الكيميائية، فتغيير بسيط في موضع ذرة أو رابطة داخل جزيء ما، يمكن أن يغير خصائص المادة تماماً، وهو ما ينعكس بدوره على مجرى التاريخ.يستخدم المؤلفان قصة انهيار جيش نابليون بونابرت في الحملة الروسية عام 1812 كمدخل لتوضيح فكرة الكتاب، فقد تقلص جيش نابليون من 600 ألف مقاتل إلى أقل من 10 آلاف، ليس فقط بسبب البرد والمجاعة، بل بسبب نظرية كيميائية طريفة، تعزى إلى أزرار ملابس الجنود.كانت الأزرار مصنوعة من معدن القصدير، وعند انخفاض درجات الحرارة بشدة في الشتاء الروسي، يصاب القصدير بما يعرف كيميائياً بـ «مرض القصدير» حيث تتغير بنيته البلورية، ويتحول من معدن لامع ومتماسك إلى مسحوق هش سريع التفتت. تفتت الأزرار أدى إلى عدم قدرة الجنود على إغلاق معاطفهم لحمايتهم من البرد القارس، وانشغال أيديهم بشد ملابسهم، بدلاً من حمل السلاح، ورغم أن هذه النظرية تواجه بعض الإشكاليات التاريخية والعلمية إلا أنها تظل نموذجاً مثالياً، يوضح كيف يمكن لـ «زر» أن يسهم في سقوط إمبراطورية، وتغيير خريطة أوروبا.يشير الكتاب إلى معاهدة بريدا لعام 1667، حيث تنازل الهولنديون فقط عن ممتلكاتهم في أمريكا الشمالية، مقابل الحصول على جزيرة رون الصغيرة، وهي جزيرة تقع شرق جاوة بإندونيسيا، أما الطرف الآخر في الاتفاقية فهو إنجلترا، التي تنازلت عن ملكيتها الشرعية للجزيرة، وأصولها الوحيدة هي بساتين أشجار جوزة الطيب، مقابل الحصول على حقوق قطعة صغيرة أخرى من الأرض في منتصف الطريق حول العالم، وهي جزيرة مانهاتن.قدمت معاهدة بريدا فرصة لحفظ ماء الوجه للجانبين.الكتاب ليس مجرد سرد لتاريخ الكيمياء، بل هو إعادة قراءة للتاريخ الإنساني عبر عدسة المجهر الكيميائي، ليثبت أن مصائر الإمبراطوريات والشعوب قد تتقرر أحياناً بناء على سلوك جزيء لا يرى بالعين المجردة. ويصف الجزيئات ذات الأهمية القصوى في حركة التبادل التجاري المسؤولة عن هجرة البشر والاستعمار، والتي أدت إلى الاستعباد والعمالة الجبرية.يتساءل الكتاب: في المستقبل إذا نظر الناس إلى حضارتنا فما الجزيئات التي كان لها أكبر تأثير في القرن الـ21؟ هل ستغدو جزيئات مبيدات الأعشاب المضافة إلى المحاصيل المعدلة وراثياً هي التي تقضي عن غير قصد على مئات الأنواع النباتية الأخرى؟ أم الجزيئات الصيدلانية التي تعمل على تحسين صحتنا الجسدية ورفاهيتنا العقلية؟ وهل سيؤدي الإفراط في استخدام المضادات الحيوية إلى ظهور جراثيم خارقة للمقاومة؟