زامر الحي لا «يضرب»! – أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي

في مساقنا الماضي، أشار (ذو القُروح) إلى أنَّ من الإنصاف التنبُّه إلى أنَّ الإلحاح على محاكمة الأنساق الاجتماعيَّة في الشِّعر- بوصفه جنسًا أدبيًّا- يقع فيه أحيانًا تجاهلٌ من الناقد لطبيعة الشِّعر، المناقضة لطبيعة المنطق العقلي والأخلاق الاجتماعيَّة، في تطلُّعٍ نقديٍّ إلى شِعرٍ ذي خطاب عقلاني أخلاقي مسالم! وهذا ما لا يكون. قال: والأسوأ من هذا تلك المحاكمات الانتقائيَّة والاجتزائيَّة للنصوص. فسألتُ:

ـ خذ نموذجًا على تلك المحاكمات النسقيَّة الاجتزائيَّة أبيات (نزار قبَّاني) الأشهر في تلك المحاكمات:

ـ هذه الأبيات، التي يستشهد بها من يريد أن يقف خطيبًا لإدانة (نزار) من هذا الباب. لكن إذا قرأتَ القصيدة كاملة عرفتَ أنَّ الشاعر كتبها ليُدين القائل بهذا القول، وأنَّ القصيدة مبنيَّةٌ على تصوير نموذج من الناس هذا صوته، لا صوت الشاعر، وإنَّما أورد الشاعر هذه الأبيات على لسانه. فالقصيدة تبدأ هكذا:

وبعد أن يصوِّر حياة ذلك المارق، يصل إلى القول:

إلى نهاية هذا النَّصِّ القصصي المأساوي، تحت عنوان «الرسم بالكلمات».

ـ أحسنتَ الإنصاف! منذ كُنَّا والوُعَّاظ يستشهدون بصدر القصيدة لإدانة نزار دون عجزها! غير أنَّ ثمَّة في المقابل شِعرٌ تقريريٌّ إخباري، يتنافى مع طبيعة الشِّعر أوَّلًا، ومع منطق العقل والأخلاق ثانيًا.

ـ نعم. وهذا هو الذي تجدر محاكمته نسقيًّا؛ لأنَّه ليس بشِعر أساسًا.

ـ الأمثلة كثيرة. ومنها بعض شِعر (البحتري) و(أبي تمَّام)، الذي تطرَّقتُ إليه في مساقات سابقة. حيث يسرد عليك الناظم تقريرًا مباشرًا عن أخباره هو، ومغامراته الشخصيَّة، وأطرافًا من سيرته اليوميَّة.

ـ لو تركنا الشعراء بذكوريَّاتهم الغبيَّة وأنساقهم جانبًا، وتساءلنا حول دوافع المرأة نفسها أحيانًا إلى التنازل عن حقوقها، ومنها حقوق الكرامة، وعدم التصفيق لمن يفصِّلون من جلدها عباءات؟

ـ قد يكون دافعها، في كثير من الحالات، الحُب المجنون، أو الخوف من الوحدة، والرهبة من مواجهة المجتمع. فتتمادى في تنازلاتها، أو في طموحاتها ونزقها، لتعيش تمرُّدها وحريَّتها، فتنتهي نهاية لا تُحسَد عليها!

ـ صحيح. لا نقول هذا إقرارًا بما يحدث لأولئك اجتماعيًّا، غير أنَّنا نقول إنَّ الكلمات سهلة والواقع صعب، وليست في الثورة على الواقع والمجتمع دائمًا أنجع الحلول.

ـ الكلُّ يعرف الحلَّ، لكنَّ الحلَّ لا يريده الكُلُّ!

ـ ليس باليأس، أو الانتحار، أو إشعال الحرائق في البيوت، يتأتَّى العلاج، وإلَّا كنَّا نمارس عقليَّة أصحاب الأحزمة الناسفة، للمجتمع ومؤسساته، سواء بسواء. الفرق أنَّ ممارسة العنف في الخطاب الثقافي يستخدم الكلمات.

ـ نعم، العنف الكلامي أو القيمي أخطر من العنف بالسلاح بكثير، وكلا ممارِسَيْه يعتقدان أنهما يثأران لنفسَيهما، ولشرائح مثلَيهما، ومن شيء ما، قد يكون محض شبح ذهني. فهل هذا هو الطريق الأمثل المفضي إلى الهدف المنشود؟

ـ كثيرًا ما تسمع- في مثل هذا السياق مِن رفض العنف الثقافي- التَّمَثُّل بالمثل القديم: «زامر الحَيِّ لا يُطرِب». فالذنب ذنب الحَيِّ الجحود، لا الزامر المخلص!

ـ بلى، زامر الحَيِّ يُطرِب، لكن، وبكل صراحة، حين يصادم زامر الحيِّ الحيَّ كلَّه، وبعنف، فهو عندئذٍ «يَضْرِب» بمزماره الحيَّ، ولا يُطرِبه! قد يجلب له خطابه الشهرة، لكنه يجلب له المتاعب، دون أن يؤدِّي الرسالة التي يبغيها، أو قل: يُتوسَّم فيه السعي إليها قبل غيره، هذا إنْ لم يزدها تعقيدًا، ويغدو هو أول الضحايا.

ـ لا تنكر أنَّ ثمَّة ظلمًا ثقافيًّا أحيانًا!

ـ صحيح أنَّ هناك ظلمًا ثقافيًّا أحيانًا. وهناك عدم تفريق بين النصِّ والكاتب، أو بين الشخصيَّة الروائيَّة والراوي. إلَّا أنَّ هذا لا يعفينا من تحمُّل بعض المسؤوليَّة، ولا يعني ذلك تبرئة الذات ممَّا تكتب. بل حريٌّ بالكاتب الإنصاف من نفسه، ليَعذر الآخرين، ولو بعض العُذر؛ فحين تجد كاتبًا يُدين الوطن والمجتمع، باسم «كشف المسكوت عنه»، وبصورةٍ صارخةٍ، وغير مبرَّرة، لا فنِّـيًّا ولا اجتماعيًّا، فلا تقل: «زامر الحَيِّ لا يُطرِب»، بل قل حينئذٍ: «على نفسِها جَنَتْ براقش»!

ـ ما يُسمَّى «المسكوت عنه»، أنا شخصيًّا لم أسمع بمثله إلَّا في بعض الأعمال الروائيَّة!

ـ رُبَّ جهلٍ خيرٌ من عِلم! لكنَّني أيضًا لم أستفد منه وعيًا، ولا حلًّا، بل قذفني في مزيد شكٍّ في المرأة والرجل والمجتمع، وكأنَّني كنت أعيش في الدَّرك الأسفل من الكوميديا الإلهيَّة دون أن أدري!

لَئِنْ كَانَ لِلْكَـوْنِ عَـيْـنَانِ: شَمْـسٌ،

وأُخْرَى، تُـسَمِّي اللُّغَـاتُ: القَمَـرْ

فعَـيْنَايَ أَعْمَـاهُـمَـا عَنْـهُمَـا،

وعَـنْـكِ، حَبِـيْـبَـةُ ، هذا الغَـبَرْ

فَـلا حُـبَّ حَتَّى نُـحَـرِّرَ مِـنَّا الـ

يُـرِيْـقُ غَـدًا عَـيْـنَــهُ لِـلْـخَـزَرْ

ورُبَّ مُـحِـبٍّ يَـرَى في الـحَبِيْـبَـ

ـةِ رَسْمَ البِـلَادِ بِسِيْمَـا الظَّـفَـرْ

فقَبْلَ الـحَبِيْبَـةِ يَـبْـكِـيْ الدِّيَـارَ

وقَبْلَ الـمَحَاجِرِ يَبْنِـي الحَجَـرْ!

(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)

في مساقنا الماضي، أشار (ذو القُروح) إلى أنَّ من الإنصاف التنبُّه إلى أنَّ الإلحاح على محاكمة الأنساق الاجتماعيَّة في الشِّعر- بوصفه جنسًا أدبيًّا- يقع فيه أحيانًا تجاهلٌ من الناقد لطبيعة الشِّعر، المناقضة لطبيعة المنطق العقلي والأخلاق الاجتماعيَّة، في تطلُّعٍ نقديٍّ إلى شِعرٍ ذي خطاب عقلاني أخلاقي مسالم! وهذا ما لا يكون. قال: والأسوأ من هذا تلك المحاكمات الانتقائيَّة والاجتزائيَّة للنصوص. فسألتُ:

ـ خذ نموذجًا على تلك المحاكمات النسقيَّة الاجتزائيَّة أبيات (نزار قبَّاني) الأشهر في تلك المحاكمات:

ـ هذه الأبيات، التي يستشهد بها من يريد أن يقف خطيبًا لإدانة (نزار) من هذا الباب. لكن إذا قرأتَ القصيدة كاملة عرفتَ أنَّ الشاعر كتبها ليُدين القائل بهذا القول، وأنَّ القصيدة مبنيَّةٌ على تصوير نموذج من الناس هذا صوته، لا صوت الشاعر، وإنَّما أورد الشاعر هذه الأبيات على لسانه. فالقصيدة تبدأ هكذا:

وبعد أن يصوِّر حياة ذلك المارق، يصل إلى القول:

إلى نهاية هذا النَّصِّ القصصي المأساوي، تحت عنوان «الرسم بالكلمات».

ـ أحسنتَ الإنصاف! منذ كُنَّا والوُعَّاظ يستشهدون بصدر القصيدة لإدانة نزار دون عجزها! غير أنَّ ثمَّة في المقابل شِعرٌ تقريريٌّ إخباري، يتنافى مع طبيعة الشِّعر أوَّلًا، ومع منطق العقل والأخلاق ثانيًا.

ـ نعم. وهذا هو الذي تجدر محاكمته نسقيًّا؛ لأنَّه ليس بشِعر أساسًا.

ـ الأمثلة كثيرة. ومنها بعض شِعر (البحتري) و(أبي تمَّام)، الذي تطرَّقتُ إليه في مساقات سابقة. حيث يسرد عليك الناظم تقريرًا مباشرًا عن أخباره هو، ومغامراته الشخصيَّة، وأطرافًا من سيرته اليوميَّة.

ـ لو تركنا الشعراء بذكوريَّاتهم الغبيَّة وأنساقهم جانبًا، وتساءلنا حول دوافع المرأة نفسها أحيانًا إلى التنازل عن حقوقها، ومنها حقوق الكرامة، وعدم التصفيق لمن يفصِّلون من جلدها عباءات؟