ريهام الزيني تكتب: أكتوبر.. من إدارة النار إلى صناعة القرار

لم يكن نصر أكتوبر مجرد إدارة ناجحة للنار، بل كان لحظة العبور الأهم من إدارة النار إلى صناعة القرار، فالدول الوطنية العظيمة لا تكتفي بأن تطلق النار بدقة، بل تعرف متى توقفها، وأين توظفها، وكيف تحول دخان المدافع إلى أوراق ضغط على طاولة المفاوضات.

ولم يكن نصر أكتوبر مجرد عبور قناة أو استرداد أرض، بل لحظة استعادت فيها الدولة المصرية قدرتها على الفعل، وأثبت فيها الإنسان المصري أن ما يُقدَّم كمستحيل يُصنع حين تلتقي الإرادة بالعلم، ويتحول القرار إلى عمل، ويصطف الشعب خلف دولته بوعي وتخطيط وإيمان عميق بأن النصر ليس مجرد صدفة بل صناعة ومسؤولية وطنية كبرى لا تنتهي بانتهاء القتال في الميدان.

ومن هنا، فقد استعاد الميدان ما سُلب، وأعاد إلى الوعي الجمعي المصري معنى القوة بعد زمن الانكسار، فكانت لحظة العبور بداية لاسترداد السيادة ودور القيادة، لا نهاية لمسؤولية الوطن عن الحاضر والمستقبل، بل بداية لمسؤولية أثقل هي مسؤولية البناء والحفاظ على ما تحقق بالدم والوعي والتخطيط.

فالنصر، مهما بلغت عظمته، لا تنتهي دلالته بانتهاء المعركة، بل تبدأ فيما حملناه وحميناه وأضفناه. ومن عبر القناة مرة، عليه أن يعبرها كل يوم بالوعي والعمل وبناء القدرة، وأن يحول الإرادة إلى نظام يحمي، والمبادرة إلى مؤسسة تستمر، والتضحية إلى وعي يصون، والذاكرة إلى مشروع وطني متكامل ينتقل من جيل إلى جيل.

ولذلك، لا يصبح السؤال عن أكتوبر سؤالًا عن حرب انتهت، أو أرض استُعيدت، بل عن الدولة التي نريدها والقدرة التي نمتلكها. ماذا فعلنا بما استعدناه؟ وهل حولنا الذاكرة الوطنية إلى معيار نهتدي به في حاضرنا وبوصلة نبني بها مستقبلنا، أم اكتفينا باستدعاء أمجاد الماضي بمجرد شعارات واحتفالات موسمية تفرغ النصر من روحه ومضمونه وتحوله إلى ذكرى للاستهلاك بدلًا من أن تكون وقودًا للبناء؟

فالنصر يُصان بالدولة، والدولة تُقاس بقدرتها على البقاء والاستمرار في العلو والارتقاء، لا بقدرتها على الاحتفال بالماضي فقط، بل بقدرتها على تحويل الماضي إلى مشروع مستقبل يليق بتضحيات الأجداد وتطلعات الأحفاد، ويستحق دماء الشهداء التي روت الأرض المقدسة شبرًا شبرًا.

لم تكن حرب أكتوبر مواجهة عابرة، بل لحظة كسر لواقع فُرض على المصريين بعد ٦٧، واستعادة لقدرة الدولة على الفعل. ولأنها كانت انتقالًا من إدارة النار إلى صناعة القرار، فقد بدأت إدارة المعركة قبل المعركة بسنوات.

وكانت خطة الخداع الاستراتيجي هي أول انتصار في إدارة النار. لم تكن مجرد خدعة عسكرية، بل منظومة دولة وطنية متكاملة: تسريح دفعات من الجنود، إعلان فتح باب العمرة، نشر أخبار عن تدهور الاقتصاد، وتصريحات للرئيس السادات عن عدم القدرة على الحرب. كل ذلك وأكثر كان قادرًا على بناء صورة ذهنية لدى العدو بأن الحرب مستحيلة، وهو ما أكدته التقارير الصهيونية قبل الحرب بساعات كانت تؤكد أن احتمالات الحرب مع مصر ضعيفة.

ومن هنا كان اختيار التوقيت نفسه قرارًا سياسيًا بامتياز يجسد الانتقال من النار إلى القرار. السادس من أكتوبر يوم عيد الغفران اليهودي حيث تتوقف الحياة تمامًا في الكيان، وشهر رمضان حيث روح التضحية والفداء لدى الجندي المصري في أوجها. وهنا يتجلى التكامل بين التخطيط العسكري والحس السياسي والعقيدة الروحية.

وفي الميدان لم تتغير مواقع القوات وحدها، بل تغيرت معادلة بدت مستقرة لصالح العدو؛ عبر الجيش المصري القناة، واخترق خط بارليف الذي صُوّر كأسطورة لا تُقهر لا يمكن أن تُدمر إلا بقنبلة ذرية، ومن هنا استعاد الجندي المصري زمام المبادرة من جديد، وأثبت أن التفوق العسكري لا يضمن وحده حسم التاريخ، وأن الإرادة حين تساندها المعرفة والاستعداد والتخطيط تستطيع أن تفتح طريقًا كان يبدو مستحيلًا ومغلقًا إلى الأبد.

وبينما أنفق الكيان الصهيوني الملايين من الدولارات لإقامة ساتر ترابي بارتفاع عشرين مترًا، جاء الحل المصري العبقري بفكرة مهندس شاب استلهم مضخات المياه من خلال عمله في السد العالي لتجريف خط بارليف. رمز لانتصار العقل المصري القديم على التعقيد التكنولوجي الحديث.

ولذلك، فإن حقيقة الميدان يجب ألا تختلط بما جاء بعدها: فالأرض لم تُستعد بالنصوص، ولم تبدأ السيادة في قاعات المفاوضات، بل سبقتها تضحيات الجنود ودماؤهم وقرارات عسكرية وطنية جريئة فتحت الطريق أمام المسارات السياسية. فالسياسة لم تصنع الميدان، بل الميدان هو من صنع للسياسة أوراقها ومنحها قوتها التفاوضية.

وقد كان الرئيس السادات يدير حربًا محدودة بأهداف سياسية واضحة وليست مجرد حرب مفتوحة بلا سقف. كان من ضمن أهدافه تحريك الموقف السياسي المتجمد وكسر حالة اللاسلم واللاحرب. ولذلك كان قرار وقف إطلاق النار وذهابه إلى مفاوضات فض الاشتباك جزءًا من نفس الرؤية الاستراتيجية التي اتخذت قرار الحرب. كان يدرك أن الميدان وحده لا يصنع النصر، بل يصنع أوراق التفاوض.

وهنا يتجدد الدرس الأعمق لأكتوبر: ليس المطلوب أن نكرر صورة العبور، بل أن نستعيد المنهج الذي جعل المستحيل ممكنًا؛ تحديد الهدف بوضوح، وفهم الواقع بلا أحلام ولا أوهام، وحسن الإعداد بالعلم والوعي، وتكامل الأدوار بين المؤسسات، وتحويل الإمكانات المحدودة إلى نتائج غير محدودة بالإرادة والتخطيط.

ولكي لا نظلم التاريخ، يجب أن نفرق منهجيًا بين ثلاثة مستويات للتحليل الاستراتيجي الدقيق لا يصح الخلط بينها:

أولًا: حقيقة الإنجاز العسكري، وهي حقيقة تاريخية وطنية ثابتة لا تقبل التأويل من حيث أصل إنجازها، عبر الجيش القناة وأقام رؤوس كباري وغيّر ميزان المواجهة فاتحًا الطريق لاستعادة سيناء كاملة، وأعاد للعقل المصري ثقته بنفسه وقدرته على الفعل والإبداع وتحويل المستحيل إلى ممكن.

ثانيًا: الخلاف على إدارة التحركات داخل الميدان، ولكي يكتمل الإنصاف، يجب أن نفرق بين نقد النتائج السياسية وبين النقد المشروع لإدارة التحركات العسكرية الميدانية، فهناك من يعترف بالنصر كاملًا ويقر بعبقرية العبور، لكنه يرى أن بعض القرارات أثناء الحرب، كتوقيت تطوير الهجوم أو إدارة التعامل مع الثغرة، كانت محل اختلاف بين بعض قادة الحرب، وهو اختلاف طبيعي في إدارة الحروب المصيرية الكبرى. هذا النوع من الاختلاف الوطني مشروع ولا ينتقص من النصر شيء، بل يؤكد أنه كان فعلًا بشريًا خاضعًا للبحث والتخطيط والتقييم، وليس أسطورةً فوق المساءلة أو نصًا مقدسًا لا يُمس، بل ملحمة وطنية صنعها بشر مؤمنون بالله أولا والوطن ثانيا.

فهناك فارق جوهري بين من يقول "كان يمكن أن تكون النتائج أفضل" وبين من ينكر أصل العبور والإنجاز. الأول يناقش داخل النصر ليحميه، والثاني ينكر النصر ليهدمه ويهدم معه ثقة الأمة بنفسها، ولكل موقف حججه التي ينبغي أن تكون محل تقييم وفق الأدلة والبراهين لا الأهواء والخصومات السياسية العابرة.

ثالثًا: الخلاف على النتائج السياسية بعد الميدان، من وقف إطلاق النار إلى فك الاشتباك ثم معاهدة السلام، وهو مجال للتقييم الاستراتيجي لا يصح أن يرتد بأثر رجعي ليمحو حقيقة العبور والإنجاز. فتقييم المسار السياسي لا يلغي شرف العسكرية المصرية ولا ينتقص من دماء الشهداء ولا يقلل من عظمة التضحيات التي دفعها المصريون.