رهان روسي على «فيتو» ترامب: أوكرانيا (لا) تتنفّس الصعداء

لم تتأخر أصداء نتائج الانتخابات النصفية الأميركية في الظهور على جبهات الحرب الروسية - الأوكرانية، حيث انشغلت العواصم المعنيّة بتقدير أثر الهزيمة «الجمهورية» على هذه الحرب، وما إذا كان «الكونغرس» الجديد قادراً على تغيير مسارها، في وقت يمسك فيه الرئيس دونالد ترامب بخيوط التفاوض حولها. على المقلب الروسي، قلّل الخطاب الرسمي من شأن هذا الأثر المحتمل؛ إذ قال المتحدّث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن الانتخابات «شأن أميركي داخلي»، مؤكداً تعويل موسكو على مواصلة ترامب جهوده لـ«صنع السلام»، ومشيراً إلى أن ترامب سيواصل إدارة السياسة الخارجية باعتبارها من صلاحيات رئيس الولايات المتحدة. بيد أن نبرة الطمأنة هذه لم تحجب قلقاً عبّر عنه نائب وزير الخارجية، سيرغي ريابكوف، الذي وصف مقاربة الجناح الناشط في الحزب «الديمقراطي» تجاه روسيا بأنها «سلبية للغاية»، فيما رأى نائب رئيس مجلس الأمن، دميتري ميدفيديف، أن النتائج لن تنعكس جذرياً على مصالح روسيا، داعياً إلى التركيز على ما يجري في الميدان.

وانسحب هذا التباين على الإعلام الروسي؛ فبينما عنونت «روسيسكايا غازيتا» الحكومية أن غضب ترامب سينصبّ على القارة العجوز بعد هزيمة «الجمهوريين»، اعتبرت وكالة «ريا نوفوستي» أن سيطرة «الديمقراطيين» الكاملة على «الكونغرس» ستمكّنهم من تمرير قوانين مؤيّدة لأوكرانيا ومعادية لروسيا، مرجّحةً استئناف إمدادات السلاح المباشرة. في المقابل، وبينما أوحت تقارير غربية بأن أوكرانيا وحلفاءها الأوروبيين يرون في النتائج «فرصة» لاستعادة الدعم المطلق لكييف، بدت الأخيرة أقلّ اندفاعاً. فرغم ترحيب الرئيس فولوديمير زيلينسكي بالنتيجة، واعتباره أن أيّ دعم مالي أو عسكري قوي من «الكونغرس» سيكون «إيجابياً»، بدا الشارع الأوكراني متحفّظاً؛ إذ رصدت شبكة «دوتشيه فيللي» أن كثيراً من الأوكرانيين يقولون إنهم «تعلّموا الدرس» وإن على كييف ألّا تعتمد كثيراً على الدعم الأميركي، فيما حذّر محلّلون أوكرانيون من المبالغة، معتبرين ما جرى مجرّد «محفّز» لتغييرات لن تظهر قبل الانتخابات الرئاسية عام 2028.على أن «الديمقراطيين»، ورغم عدم حصولهم على أغلبية الثلثين في المجلسَين، اللازمة دستورياً لتجاوز «الفيتو الرئاسي»، باتت في أيديهم فعلاً أدوات لإحداث تأثير أكبر في الملف الأوكراني، لا سيما أن هذا الأخير يحظى بدعم قطاعات من الحزبَين، وهو ما ظهر جانب منه مثلاً في اعتراضات «جمهورية» على تراجع ترامب عن العقوبات على الديزل الروسي. وفي السياق، تتّجه الأنظار إلى عدد الداعمين «الجمهوريين» لأي توجّه كهذا، بعدما خسرت كييف أبرز المدافعين عنها في صفوفهم، وفي مقدّمهم بريان فيتزباتريك، الرئيس المشارك لـ«تجمّع أوكرانيا» في «الكونغرس»، الذي هُزم في الاستحقاق الانتخابي، وميتش ماكونيل وتوم تيليس. في المقابل، طاولت الخسائر معارضي المساعدات من «الجمهوريين»؛ إذ فقدت فيكتوريا سبارتز، المولودة في أوكرانيا، مقعدها النيابي، إلى جانب ثلاثة نواب آخرين عارضوا دعم كييف، هم: ديريك فان أوردن وبرايان ستيل عن ولاية ويسكونسن، وسكوت بيري عن ولاية بنسلفانيا.

وبالعودة إلى ما يمكن «الديمقراطيين» القيام به، نقلت «رويترز» عن مصادر «ديمقراطية» أن سيطرة الحزب على المجلسَين، اعتباراً من كانون الثاني المقبل، قد تمهّد لاستئناف المساعدات العسكرية والمالية لكييف، وتعطيل تخفيف ترامب للعقوبات على موسكو. إذ فيما تمنح هذه السيطرة «الحزب الأزرق» صلاحية تحديد ما يُطرح للتصويت وتوقيته، ترجّح «رويترز» أن تمرّ هذه التشريعات «بأغلبية الثلثين اللازمة (بدعم جمهوري أيضاً)». وإلى جانب ذلك، تتيح النتائج الانتخابية إحياء تشريعات كان جمّدها مجلس الشيوخ «الجمهوري»، بينها مشروع قانون للمساعدات والعقوبات يتضمّن 8 مليارات دولار من القروض العسكرية لأوكرانيا. وفي الإطار نفسه، نقل موقع «يوروميدان برس» الأوكراني عن السفير الأميركي السابق لدى «الناتو»، إيفو دالدر، توقّعه أن يلجأ «الكونغرس» أولاً إلى الدعم العسكري ومشروع عقوبات جديد على روسيا «يجعل العقوبات إلزامية بدلاً من أن يسمح للرئيس بالتنازل عنها». على أن جعل هذه العقوبات إلزامية يتطلّب تعديل قانون معاقبة روسيا الذي قدّمه السيناتور «الجمهوري»، ليندسي غراهام (المعروف بقانون العقوبات الجهنمية)، الذي وقّعه ترامب، علماً أن هذا القانون يمنح الرئيس صلاحية تعليق العقوبات أو استثناء جهات وقطاعات منها؛ وهي صلاحية استخدمها ترامب سريعاً حين تنازل عن أجزاء من القانون في 16 تشرين الأول الماضي للسماح باستيراد الديزل الروسي. لكن حتى هكذا تعديل سيبقى عرضة لـ«فيتو» ترامب نفسه، ما يعيد الأمر إلى المربّع الأول، حيث ضرورة حشد أغلبية الثلثين في المجلسَين.غير أن الأدوات المتوافرة في أيدي «الديمقراطيين» لا تقتصر على التشريع؛ إذ ستمنحهم سيطرتهم المرتقبة على اللجان صلاحية استدعاء مسؤولي السلطة التنفيذية بمذكّرات إلزامية لمساءلتهم بشأن جملة من الإجراءات، في مقدّمها «صفقة الديزل» مع روسيا، وتأخير شحنات «باتريوت» إلى أوكرانيا، وانقطاعات «ستارلينك» فيها، و«مقترحات السلام» التي يحملها مبعوثو ترامب. وكانت المعركة على «الديزل» سبقت الانتخابات أساساً، حين قدّم كبير «الديمقراطيين» في لجنة الشؤون الخارجية، غريغوري ميكس، منتصف تشرين الأول، مشروع قانون مدعوماً من الحزبَين لإلغاء التراخيص العامة التي أصدرتها وزارة الخزانة للتعامل بالديزل الروسي وحظر أيّ تراخيص مستقبلية. ومن ثمّ، جاءت النتائج الانتخابية لتمنح هذا المسار زخماً إضافياً، تجلّى في توجيه لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وفق «سي إن إن»، المصارف ومشغّلي الموانئ والشركات المنخرطة في الصفقة بالاحتفاظ بالوثائق تمهيداً للتحقيقات الرقابية.

واشنطن ستجمع الوفدين الأوكراني والروسي في أبو ظبي بعد أيام

وبالفعل، مثّل ملف الطاقة أول مؤشر عملي على تبدّل المناخ في واشنطن، إذ أفادت «فايننشال تايمز» بأن ناقلتين من أصل ثلاث كانت متّجهة إلى الولايات المتحدة ضمن الصفقة مع روسيا غيّرتا مسارهما. ووفق محلّل الاستخبارات التجارية في «كبلر»، مات سميث، عدّلت الناقلة «ليرو»، المملوكة لجهة في هونغ كونغ والرافعة علم سيراليون، وجهتها إلى البرازيل، فيما انعطفت «تاليسمان»، الخاضعة للعقوبات والرافعة العلم الروسي، نحو المتوسّط وبثّت إشارة «في انتظار الأوامر» قبالة السواحل الجزائرية. ورجّح سميث أن تحذو الثالثة، «أجيوي فانينديس» اليونانية، حذو الأُوليين «لأسباب تنظيمية وتشريعية ومرتبطة بالعقوبات». وإذ ربط الخبير في «المجلس الروسي للشؤون الدولية»، أليكسي ناوموف، بدوره، تغيير مسار الناقلات بفوز «الديمقراطيين»، سارع الكرملين إلى نفي أيّ صلة بين الأمرَين، مؤكّداً أن الشحنات أُرسلت وأن الديزل «سيجد مشترين»، وأنه «لا مبرّر» لربط ما جرى بالانتخابات.أمّا بشأن تقييد «ستارلينك» وتأخير شحنات «باتريوت»، اللذين بدأ «ديمقراطيون» في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ يطالبون بحفظ السجلات المتعلّقة بهما، فيرى خبير تحدّث إلى صحيفة «كييف إندبندنت» أن «الديمقراطيين» قد يحقّقون مع إيلون ماسك ووزير الدفاع بيت هيغسيث على خلفية الملفَّين المذكورَين، إلى جانب المبعوثَين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، المنتقَدين لدفعهما أحياناً نحو «صفقات سلام تصبّ في مصلحة موسكو».

مع ذلك، يعتقد السفير الأميركي السابق لدى كييف، ويليام تايلور، الذي رأى في سيطرة «الديمقراطيين» «خبراً جيداً» لأوكرانيا، أن ترامب «سيبقى المهيمن على السياسة الخارجية». وفي الاتجاه نفسه، ترى لوريل راب، مديرة برنامج الولايات المتحدة في «تشاتام هاوس»، أن ترامب سيكون «مقيّداً نسبياً في ملفات الرقابة والتحقيق»، لكنه يحتفظ «بهامش واسع في السياسة الخارجية». وتذهب بعض التقديرات أبعد من ذلك؛ إذ تشير مجلة «The Parliament» الأوروبية مثلاً إلى أنه حتى لو أقرّ «الكونغرس» تمويلاً جديداً لكييف، قد «يختار ترامب ببساطة عدم إنفاق الأموال». لا بل يقدّر الأكاديمي الأميركي، دانيال هاملتون، استناداً إلى التجربة التاريخية، أن ترامب قد يصبح «أكثر جموحاً»، و«ربما يتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ على حساب أوكرانيا وأوروبا». كما حذّرت «بوليتيكو أوروبا» من أن ترامب قد يسحب آلافاً إضافيين من جنوده من أوروبا أو يقلّص تمويل «الناتو»، ما دام مقيّداً داخلياً لكنه يملك حرية أوسع باعتباره قائداً للجيش. وحتى أجندة الحزب الفائز لا تتصدّرها أوكرانيا، إذ تشمل خطة الأيام المئة الأولى، وفق بيان لمكتب زعيم الأقلية «الديمقراطية» الحالي في مجلس النواب، حكيم جيفريز، «استعادة دعم قانون الرعاية الميسّرة وإلغاء تخفيضات برنامج Medicaid والتراجع عن الرسوم الجمركية».على أيّ حال، لن يطول انتظار الاختبار الأول؛ إذ أعلن ويتكوف أن واشنطن ستجمع الوفدين الأوكراني والروسي في أبو ظبي يومَي 10 و11 من الشهر الجاري، حيث سيتّضح ما إذا كان ترامب سيسابق الزمن لإبرام صفقته قبل كانون الثاني، أم سيتمهّل أمام سلطة تشريعية تتحيّن لحظة المحاسبة. غير أن الجواب ليس مرهوناً بحسابات البيت الأبيض الداخلية وحدها، بل أيضاً بما تبقّى لواشنطن من قدرة على فرض شروطها في ظلّ المخاطر الاقتصادية المحدِقة بها بعد حرب إيران؛ فترامب المثقل بكلفة تلك الحرب قد يرى في الصفقة السريعة مخرجاً، لكن موسكو وكييف قد تقرآن، في الضيق نفسه، فرصة لرفع سقف شروطهما، وهو ما يظلّ رهن الميدان أيضاً.