حملت نتائج الانتخابات النصفية الأميركية تفوّقاً واضحاً لـ«الحزب الديمقراطي» على المستويات كافة، بما في ذلك سباقات حكّام الولايات التي جرت في 36 ولاية، حيث تمكّن «الديمقراطيون» من الفوز بـ22 منها، بينها خمس انتزعوها من «الجمهوريين» هي جورجيا وأيوا ونيفادا وأوهايو وتكساس، مقابل 12 لـ«الجمهوريين» كان هؤلاء يشغلونها أصلاً، فيما لم يُحسم سباقا ألاسكا وكانساس بعد. وبذلك، بات «الديمقراطيون» يشغلون 28 منصب حاكم على الأقلّ، مقابل 20 لـ«الجمهوريين» - بعدما كانت الكفّة تميل لمصلحة الأخيرين (26 مقابل 24) -، مستعيدين أغلبية هذه المناصب للمرّة الأولى منذ 16 عاماً.وإذ جاء فوز «الديمقراطيين» لافتاً، ولا سيما في المناطق المتنوّعة عرقياً وإثنياً، كميشيغان وتكساس، فهو أنبأ بتحوّل في المزاج السياسي لدى الكتل السكانية الناخبة من «المُلوّنين» و«المُجنّسين» - بما لا يستثني النساء -، إلى جانب الفئات العمرية الشابة، ومنها قطاعات عمالية متضرّرة من سياسات الرئيس دونالد ترامب الاجتماعية والاقتصادية، تشمل البيض ممّن لا يحملون شهادات جامعية، ومزارعي الأرياف. ووفقاً لبيانات «تايمز فوتير تريند»، فإن المجموعات التي تحوّلت بشكل ملحوظ نحو «الديمقراطيين» شملت الناخبين من إثنيات مختلفة، والشباب دون سنّ الثلاثين، بمن فيهم البيض، وهو ما انعكس في سباقات مجلس الشيوخ التي انتزع فيها الحزب سبعة مقاعد من «الجمهوريين»، بينها أوهايو وتكساس.
وبحسب مركز «سيركل» للأبحاث في جامعة «تافتس»، تجاوزت نسبة تصويت الشباب لمرشّحي «الديمقراطيين» 70% في جورجيا، حيث احتفظ الحزب بمقعده في مجلس الشيوخ، وانتزع منصب الحاكم. أمّا في ميسيسيبي، التي لم تنتخب «ديمقراطياً» لمجلس الشيوخ منذ عام 1982، فقد صوّت أكثر من 75% من الشباب للمرشّح «الديمقراطي» سكوت كولوم، الذي يتقدّم بفارق ضئيل على السيناتورة «الجمهورية» سيندي هايد سميث في سباق لم يُحسم بعد. على أن التحوّل المُشار إليه لم يقتصر، بحسب استطلاع «تافتس»، على سكّان المدن، بل امتدّ إلى سكّان الأرياف، التي تستضيف قطاعاً واسعاً من المزارعين؛ إذ منح قرابة 59 في المئة منهم، وتحديداً الشباب، ممّن أيّدوا بأكثريتهم ترامب في الانتخابات السابقة، أصواتهم لـ«الديمقراطيين» هذه المرّة.وكدلالة على تغيّر أنماط التصويت لدى مجموعات إثنية وطبقية مختلفة، كانت قد أسهمت في فوز ترامب في رئاسيات 2024، وخاب أملها من عدم تحقيقه وعوده بتحسين الوضع المعيشي، كما لم يرُقها أداؤه في ملفّ الهجرة، أظهر استطلاع أجرته شبكة «إن بي سي نيوز»، تقدّم «الديمقراطيين» على «الجمهوريين» بنحو 30 نقطة مئوية في أوساط الناخبين اللاتينيين، علماً أن تقدّم كامالا هاريس في أوساط هؤلاء عام 2024، لم يتجاوز 5 نقاط. وفي خصوص أصوات الشباب من بين «اللاتينوس»، الذين يمثّلون نحو 16% من إجمالي الناخبين المؤهّلين في الولايات المتحدة لعام 2026، أي ما يُعادل تقريباً 38.2 مليون ناخب، أظهر استطلاع لمركز «سيركل» أن 71 في المئة ممّن تُراوِح أعمارهم بين 18 و29 عاماً صوّتوا لمرشّحين «ديمقراطيين» لمجلس النواب، علماً أن استطلاعاً لمركز «بيو» أُجري الشهر الماضي كشف تراجع نسبة تأييد أداء ترامب في أوساط الناخبين اللاتينيين المُسجّلين إلى 24%، مقابل 38% في بداية ولايته الثانية، فيما أظهر استطلاع لشبكتَي «إن بي سي نيوز» و«تيليموندو» أُجري في أواخر أيلول تفضيل 59% المرشّحين «الديمقراطيين» لـ«النواب» - مقابل 35% لـ«الجمهوريين» -، بزيادة عن نسبة 51% التي صوّتت لهاريس في عام 2024.
في الإطار نفسه، بيّن استطلاع نشرته شبكة «إن بي سي نيوز» أن مرشّحي «الحزب الجمهوري» للمجلس نفسه فازوا بنسبة 34% من أصوات اللاتينيين، مُقارنةً بنسبة 46% التي صوّتت لترامب قبل عامَين. ورغم ذلك، ظلّت نسبة التصويت الإجمالي لـ«الديمقراطيين» في أوساط هؤلاء (62%)، أقلّ من تلك التي حصلوا عليها في عام 2018 (69%). وعلى مستوى المصوّتين اللاتينيين من الجنسَين، صوّت 58% من الرجال لـ«الديمقراطيين» هذا العام، أي بزيادة عن 44% في عام 2024، بينما ارتفعت نسبة تأييد «الزرق» لدى النساء من 58% إلى 68%. وفي حين احتلّ الاقتصاد قمّة أولوياتهم بنسبة 39% منهم، جاء وضع الديمقراطية في البلاد تالياً بنسبة 33%، ثمّ الهجرة بنسبة 14%، وذلك وفقاً للشبكة نفسها.
تعكس المؤشرات الحالية هشاشة التحالف الانتخابي الذي ساعد ترامب على الفوز برئاسيات 2024
وبالنسبة إلى فئة الشباب ممّن تُراوِح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، على مستوى البلاد ككلّ، وبالمقارنة مع تأييد 56% منهم لترامب في انتخابات 2024، كشف تحليل نشره موقع «أكسيوس» أن هؤلاء لعبوا دوراً بارزاً في الانتصارات الكبيرة التي حقّقها الحزب «الديمقراطي»، مبيّناً أن نحو 66% منهم انتخبوا مرشّحين «ديمقراطيين» لمجلس النواب، مقابل 31% لـ«الجمهوريين»، بفارق بلغ 35 نقطة مئوية لمصلحة الأوّلين - مقارنةً بفارق 14 نقطة فقط في انتخابات 2024 -. وفي أوساط الفئة العمرية ذاتها من البيض، أظهر استطلاع لمؤسسة «إس إس آر إس» تقدّم «الزرق» في أوساط الناخبين الشباب البيض بنسبة 63% مقابل 34% لـ«الجمهوريين»، بعدما كانت المنافسة متقاربة بينهم في الانتخابات السابقة (50% مقابل 48%). وبالمقارنة بين مستويات التأييد لدى فئة الشباب من الجنسَين، ارتفعت هذه النسبة في أوساط الرجال الذي هم دون الثلاثين من 51% في عام 2024 لمصلحة «الديمقراطيين» إلى 59% في انتخابات 2026، بينما زادت في أوساط الشابّات من 61% إلى 70%.وفي سياق متّصل، رصدت منظمات أميركية معنيّة بحقوق التصويت إقبالاً مرتفعاً للناخبين الأميركيين الأفارقة؛ إذ نقلت وكالة «أسوشيتد برس» عن لاتوشا براون، المؤسّسة المشاركة لمنظمة «Black Voters Matter»، قولها خلال مؤتمر صحافي نظّمه «الائتلاف الوطني للمشاركة المدنية للسود»، إن معدّلات المشاركة في بعض الولايات بدت منافسة لتلك التي شهدتها الانتخابات الرئاسية لعام 2008، عندما فاز باراك أوباما بالرئاسة للمرة الأولى، لافتةً إلى أن المشاركة بدت مرتفعة بصورة خاصة في ولايتَي ميشيغان وميسيسيبي.
وبحسب نتائج استطلاع الوكالة نفسها، فإن نحو 9 من كلّ 10 ناخبين «سود» دعموا مرشّحي «الديمقراطي» في انتخابات مجلس النواب، فيما لم يؤيّد «الجمهوريين» سوى واحد من كلّ عشرة رجال «سود»، بعدما كان نحو ربعهم قد صوّت لترامب في رئاسيات 2024. وفي جورجيا، دعم نحو 90% من الرجال «السود» المرشّحة «الديمقراطية» لمنصب الحاكم كيشا لانس بوتومز، مقارنةً بنحو ثلاثة أرباع أيّدوا هاريس في الولاية قبل عامين. واللافت أيضاً أنه على رغم فوز «الجمهوري»، بايرون دونالدز، بمنصب حاكم فلوريدا، ليصبح أوّل حاكم «أسود» للولاية وأوّل حاكم «جمهوري» «أسود» يُنتخب في الولايات المتحدة، فإن غالبية الناخبين «السود» في الولاية دعمت منافسه «الديمقراطي» ديفيد جولي، في مقابل حصول دونالدز على تأييد نحو ربع «الرجال السود» ونحو 10% فقط من «النساء السود».وعن اتجاهات تصويت العرب والمسلمين، أعلن «مجلس العلاقات الأميركية - الإسلامية» (CAIR) فوز 97 مرشحاً مسلماً على الأقلّ بمناصب انتخابية على المستويات الفيدرالية والولائية والمحلّية في 21 ولاية، من إجمالي 168 مرشّحاً من أصول عربية أو إسلامية تجاوزوا الانتخابات التمهيدية. ومن بين هؤلاء، نواب على المستوى الفيدرالي من مثل أندريه كارسون عن ولاية إنديانا، ولطيفة سيمون عن ولاية كاليفورنيا، وأعضاء مجلس شيوخ على مستوى الولايات، كعبير كواس (عن ولاية نيويورك) التي أصبحت أوّل أميركية من أصل فلسطيني ومسلمة تدخل المجلس التشريعي للولاية، إلى جانب آخرين عن ولايات كولورادو، وكونيتيكت، ومينيسوتا، وجورجيا، وكارولينا الشمالية، وأوهايو، وبنسلفانيا، وتكساس، فضلاً عن فوز مرشّحين بمقاعد بلدية ومحلّية في ولايات من مثل فرجينيا. وبحسب استطلاع أجرته مؤسّسة «Community Pulse» لمصلحة المجلس عند خروج الناخبين المسلمين من مراكز الاقتراع، صوّت 80% منهم لمرشّحين «ديمقراطيين»، مقابل 6% لمرشّحين «جمهوريين»، فيما وضع 66% منهم الاقتصاد والتضخّم ضمن أهمّ القضايا التي تشغلهم، و42% الرعاية الصحية، وقال 80% إن الإبادة في غزة أثّرت بشكل كبير في تصويتهم. وكان استطلاع أجراه «المعهد العربي الأميركي»، بالتعاون مع «مؤسسة جون زغبي ستراتيجيز»، خلال الفترة من 16 إلى 23 تشرين الأول 2026، بيّن عزم 59% من المشاركين العرب والمسلمين التصويت للمرشّح «الديمقراطي» في دوائرهم الانتخابية، مقابل 26% للمرشّح «الجمهوري».وإذا كانت تلك المؤشرات تعكس هشاشة التحالف الانتخابي الذي ساعد ترامب على الفوز برئاسيات 2024، يحذّر محلّلون من مغبّة اعتبار ذلك تبدّلاً ثابتاً ونهائياً في الولاءات الحزبية، خصوصاً أن ظاهرة التصويت العقابي لأحزاب الرؤساء تشكّل معلماً رئيساً من معالم التاريخ الانتخابي الأميركي المعاصر.