ذاكـرة فـي خطــر

أعاد لي ما يحدث هذه الأيام لمملكتنا الحبيبة، حرسها الله، ذكريات أزمة الخليج وأنا طفلة. كان التلفزيون ينقل تحذير إنذار الخطر باللون الأحمر، ثم تنطلق صفارة الإنذار بصوت مدوٍّ، فنترك كل شيء ونركض إلى الغرفة التي جهزناها لهذا الوقت، ونجلس فيها وقد سُدّت شبابيكها بالنايلون والشريط اللاصق، والكمامات بجانبنا. تعطلت المدارس، وجلسنا في البيت فترة لا نذهب إليها. ازدحمت مكة بأهالي الرياض، وخلت شوارع الرياض من أهلها وغاب عنها صخب الحياة الذي اعتدناه، ولم يبقَ فيها إلا من كان له عمل مهم.

مثل هذه الأحداث لا أعرف أن متحفاً وثّقها، أو حكى عن تلك الغرف في بيوت الرياض، ولا أرشيف سجّل كيف عاشت الأمهات تلك الأشهر، كيف جهّزن الغرف، وماذا خزّنّ من ماء وطعام، وكيف هدّأن خوف الصغار مع كل صفارة إنذار، وكيف كنّ يتابعن الأخبار ويطمئنّ على الأهل البعيدين بالهاتف. أذكر أنه كان لدينا في البيت أهل من الكويت جلسوا معنا فترة قبل انتقالهم لسكن مستقل، لكن ذاكرة الطفلة لا تسجل كل شيء. ثم مرت السنوات، وكبرنا، وبقيت الحكاية عند من عاصرها فقط.

يحمل المجتمع المحلي معه مثل هذه الذاكرة عند زيارة المتحف. لقد عاش الأحداث وورث الروايات المحلية، انها معرفة غنية بالتفاصيل التي تكاد أن تندثر وخبرات قلّ ان يذكرها كتاب. مشروع الدرعية للتاريخ الشفوي الذي بدأ في عام 2020م يكشف مثل هذا التاريخ الذي غاب عن الأرشيف الرسمي. جمَع روايات كبار السن من أهالي الدرعية، عاصمة الدولة السعودية الأولى، من زاوية «الحياة اليومية»، حكوا فيها عن أسلوب حياتهم، وطريقة بنائهم، وعلاقاتهم بالجيرة، وأسماء الأزقة، وما تعنيه هذه المسميات لهم وغيرها من قصص. وفي عام 2021م خصّص المشروع مساراً لتوثيق ذاكرة المرأة في الدرعية، فسجّل شهادات للنساء كانت غائبة تماماً عن السجلات الرسمية. وهي شهادات تُثري أي رواية متحفيه عن المكان أكثر مما حفظته الوثائق الرسمية.

ومثله برنامج «غرفة البحث» في بينالي الدرعية للفن المعاصر، الذي عاد في نسخته الثانية عام 2026م ليفتح أبوابه للمجتمع بطريقة جديدة، فقدّم ورش الأرشفة وجلسات الاستماع للحكايات، ودعا إلى مشاركة ذكريات الحياة اليومية من الصور العائلية ووصفات المطبخ وما تتناقله الأمهات مع بناتهن جيلاً بعد جيل من خبرات حياتية. هذا البرنامج جمع منذ نسخته الأولى أجيالاً مختلفة ومتنوعة، وينطلق من سؤال «ما الذي نحتفظ به؟»، دون أن يقدّم الإجابة جاهزة إنما يتيح للمجتمع أن يصل إليها بالمشاركة والحوار. يا لها من فكرة بسيطة تقلب معادلة قديمة لأسلوب التعليم في المتحف، وتمنح الزائر تجربة فاعلة وغنية.

مثل هذه المشاريع تأثيرها يمتد إلى شراكة في صناعة القرار المتحفي، اي أن يكون للمجتمع رأي في كيفية تمثيله، وأن تُحترم روايته حتى حين تتعارض مع السردية الرسمية للمتحف. وهذا يتطلب من المؤسسة المتحفية الاستعداد للإقرار «بحدود المعرفة»، وهو ما قد يُعتبر عند بعض المؤسسات أصعب من تخصيص الميزانيات.

وحين يحدث ذلك يصبح المتحف كياناً يمثل المجتمع ويعبّر عنه وليس مجرد «وجهة زيارة». وربما تكون الأيام التي نعيشها الآن فرصة ليسأل المتحف الناس عن حكاياتهم وهي ما زالت حاضرة في أذهانهم، قبل أن تتلاشى كما كادت حكايتي أن تضيع، لولا أن أعادتها لي أحداث هذه الأيام.