بأردى ثمن بعها!

وإنْ شِفْتَها قامتْ تجانِفْ على المَيْل

بأردى ثَمَن عند أوّل السَّوْم بِعْها..

يتجلّى الشاعر النبطي الكبير عبدالله بن عون في قصيدته عن القهوة بعذوبة شعرية آسرة؛ إذ يستهلها بسرد تفاصيل إعدادها، مخاطبًا شعيل، واصفًا طريقة تحضيرها بحذافيرها، وما تضفيه على النفس من انشراح، وما تبعثه في الخاطر من أُنس، وما تزيحه عن الصدر من شوائب تعكّر الصفو.

ثم يمضي إلى تأمل أحوال الدنيا وتقلباتها، وما تتناوب عليه من صفاء وكدر، وإقبال وإدبار. وفي ثنايا هذا السرد العذب، يودع الشاعر حكمة في التعامل مع الدنيا حين تتبدل أحوالها، وتميل عن مسار الخير إلى الشر، أو ينقلب نفعها ضررًا؛ إذ يرى أن الزهد في التمسك بها، والاستعداد للتخلي عنها بأقل الخسائر، سبيل للتحرر من وطأة تقلّباتها، وألّا يمنحها المرء من نفسه ووقته ما يتجاوز قدرها.

ثم يستدرك ابن عون، فيلفت إلى أن هوان الدنيا مطلب على النفس، إلا من لحظات الصفاء الروحي التي ينقطع فيها المرء عن الصخب ، ويؤمّ سكنات الليل حين تهدأ الأصوات وتغفو العيون، وتتهيأ النفس لمناجاة خالقها؛ حيث يغدو القيام والصلاة والعمل الصالح زادًا للروح، ومكسبًا حقيقيًا، وملاذًا تستمد منه النفس قوتها لمواجهة عثرات الحياة. أي أنه يشير إلى المورد المعين والمكسب الثمين من الدنيا والذي يكمن في اطراف الليل. فيقول:

واستثن منها قومةٍ بآخر الليل

في حزةٍ كلٍ يحب يهجعها

إليا جاء لثلث الليل الآخر تراتيل

وقامت ملائكة الرضا قمت معها

في ساعةٍ تكبيرها والتهاليل

يجنى ثمار عذوقها من زرعها.

ومن مزايا الشعر أن معانيه تتسع بتعدد القراءات، وأن حلاوة تذوقه تتجدد بتجدد ما يستنبطه منه المتلقي؛ فهو ضرب من الإبداع الفني، تتعدد دلالاته بتعدد أنظار قرّائه، وتظل أبياته قابلة لاستحضار معانٍ جديدة كلما اتسعت خبرة المتلقي، ونمت قدرته على استنباط الدلالات وإسقاطها على مواقف الحياة وتجاربها.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن نقرأ البيت بوصفه حكمة تتجاوز سياقها المباشر عن الدنيا واسقاطها على قوالب الشراكات والصداقات وسائر العلاقات الإنسانية؛ حيث قد تظهر بوادر العثار، ويلوح في الأفق ميل عن الطريق المستقيم، وانحراف عن الاستقامة إلى الالتواء والاعوجاج. فإذا رأيت هذه العلامات تتوالى، وتكشّف لك بتراكم شواهدها أن المسار قد حاد عن وجهته، فجنّب نفسك عناء مواصلة الطريق مع من لم يعد يسير على النهج الذي ائتمنته عليه أو توقعته منه. ولا تجعل ما بذلته من جهد أو وقت أو مال، ولا ما عقدته من آمال وتوقعات، حائلًا بينك وبين الاعتراف بما تكشف لك من حقائق.

ولعل أبلغ ما في حكمة الشاعر قوله: «بأردى ثمن عند أول السوم بعها»؛ فهو يذهب إلى أبعد من مجرد الدعوة إلى التخلي، إذ يجعل سرعة الحسم أولى من استرداد القيمة كاملة. وكأنما ينبه إلى أن التمسك بما ظهرت بوادر فساده، بدافع استرجاع ما بُذل فيه، قد يجرّ على المرء خسائر تفوق ما يرجو استعادته. وقد يشتد تعلق الإنسان بشراكة أو صداقة لمجرد طول العهد بها، أو لما استثمر فيها من آمال وجهود، فيغدو أسيرًا لما بذل، ويواصل دفع الأثمان في سبيل استعادة صورة قديمة للعلاقة، رغم أن واقعها لم يعد يسوّغ ذلك التمسك.

وفي هذا المعنى، يمكن استحضار الحكمة القائلة:

«إياك أن تجني سكرًا من حنظلٍ

فالشيء يرجع بالمذاق لأصله»

فقد يكشف الخلل الذي يبدو عارضًا، حين تتكرر شواهده وتتراكم، عن نمط أعمق من السلوك يصعب تجاهله. وينطبق هذا المعنى على من يتخذون من المظاهر البراقة وسيلة لاستجلاب المنافع وحصد المصالح، فيُظهرون من الصفات ما يستميل الآخرين، ثم تكشف المواقف عن حقيقة مغايرة لما أظهروه. وقد لا تنكشف هذه الحقيقة في موقف جلل، وإنما في تصرف عابر، أو كلمة تفلت على غير انتباه، أو ما يُعبّر عنه ب(لحن القول). وعندئذٍ، تكون الحكمة في قراءة الشواهد بإنصاف، والتمييز بين العثرة العابرة والنمط المتكرر، ثم صون النفس عن الاستنزاف حين تتضح الحقائق.

لعل الحكمة كل الحكمة أن يعرف المرء ما يستحق أن يصبر من أجله، وما ينبغي أن يضع حدًا للتمسك به؛ فبعض الخسائر، مهما بدت موجعة، أهون من مواصلة طريق يستنزف صاحبه، وبعض ما نتخلى عنه اليوم يحمينا من أثمان باهظة كنا سندفعها غدًا.

لذا حريٌ بنا أن نكرر هذه الاسئلة .. متى يكون الصبر فضيلة؟ ومتى يتحول إلى استنزاف؟ ومتى يكون الوفاء دليل أصالة؟ ومتى يغدو التمسك عبئًا يحول بيننا وبين رؤية الحقيقة؟