في مسيرة الأوطان الكبرى، ثمة قامات تاريخية لا تنتهي حكاياتها بانتهاء آجالها، بل تظل أفكارها ومبادراتها حية تنبض بالضوء، وكأنها كُتبت لتبصر النور في زمان غير زمانها. ومن بين هذه الرموز المضيئة في تاريخ المملكة العربية السعودية، يتلألأ اسم الأمير مساعد بن عبد الرحمن آل سعود -رحمه الله وغفر له- أخو المؤسس العظيم الملك عبد العزيز، ورجل الدولة والثقافة والإدارة المتفرد.
حينما صدر التوجيه الكريم والسامي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أيده الله-، بناء على ما رفعه سمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- بإطلاق اسم الأمير مساعد بن عبدالرحمن على الجامعة السعودية الإلكترونية، لم يكن هذا القرار مجرد تسمية جغرافية أو إدارية لصرح تعليمي، بل كان ترنيمة وفاء وطني وعاطفي من الطراز الرفيع. إنه درس حيّ في الوفاء تقدمه القيادة السعودية للعالم؛ لتؤكد من خلاله أن الذاكرة الوطنية لا تنسى المبدعين والبناة، وأن الأفكار الاستشرافية التي صاغها الراحلون بكثير من الوعي، هي اليوم الركائز التي يستند عليها حاضرنا المزهر.
إن هذا التوجيه والقرار يحمل في ثناياه إعجاباً عميقاً، ممتداً وصادقاً من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بشخصية الأمير مساعد. ولم يكن هذا الإعجاب وليد الصدفة، بل جاء نتيجة قراءة تاريخية وتنموية فاحصة لقائد ملهم يرى في عبقرية الماضي امتداداً لطموحات المستقبل. لقد كان الأمير مساعد بن عبد الرحمن شخصية استثنائية بكل ما تعنيه الكلمة، امتلك بصيرة نافذة ورؤية تقدمية سبقت عصره بأكثر من ثمانية عقود، وتحديداً في زمن كانت التحديات فيه بالغة الصعوبة، والظروف المعيشية والتعليمية في بدايات التأسيس.
في ذلك الوقت المبكر، كان الأمير مساعد يحمل شعلة التنوير المجتمعي؛ فهو الذي دعا ونادى بأعلى صوته بضرورة تعليم البنات، مؤمناً إيماناً مطلقاً بأن نهضة المجتمع السعودي وعافيته التنموية لا يمكن أن تكتمل إلا بنهوض شطره الآخر، وأن الاستثمار في عقل المرأة وتعليمها هو الاستثمار الأبقى والمحرك الأساسي لبناء الأجيال. ولم يكتفِ الراحل بطرح الأفكار أو التنظير لها، بل كان رجل عمل وبناء؛ ففي عام 1944م، وبينما كان شاباً في غرة العمر وفي الرابعة والعشرين من عمره فقط، أنشأ أول مكتبة عامة في العاصمة الرياض. في تلك السن المبكرة التي ينشغل فيها الشباب بمباهج الحياة، كان همه الأكبر هو نشر المعرفة والوعي، فقام باقتطاع جزءٍ غال ونفيس من منزله الخاص، وشرع أبوابه ومجلسه للقراء وطلاب العلم، باذلاً من ماله الخاص ووقت ومساحته الشخصية ليكون هذا المكان منارة معرفية تؤسس لجيل قارئ ومثقف. هذا الشغف والنهم بالعلم والتعليم كان نابعاً من تكوينه الشخصي؛ إذ كان الأمير مساعد هو الوحيد من بين جميع إخوة الملك عبد العزيز الذي حصل على شهادة جامعية في ذلك الوقت، ممتلكاً عمق التأهيل الأكاديمي بجانب أصالة النشأة وفروسيتها.
ولم تتوقف عبقرية الأمير مساعد بن عبد الرحمن عند حدود الثقافة والتعليم، بل امتدت لتشمل فكراً اقتصادياً وتنموياً وتنظيمياً هائلاً. وعندما نتأمل حديث سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن الأمير مساعد، نلمس نبرة الإعجاب والتقدير المقترنة بوعي استثماري فريد. لقد تحدث سموه بحسرة المفكر المبدع عن فكرة الأمير مساعد في التطوير العقاري؛ تلك الفكرة العبقرية التي صاغها الراحل لتأسيس مجتمعات سكنية متكاملة الخدمات والمنشآت والمرافق، وهي الفكرة التي تُشابه في جوهرها وفلسفتها التنموية ما نراه ونعيشه اليوم من مشاريع وطنية عملاقة مثل مشاريع «روشن» والضواحي السكنية الحديثة مثل ضاحيتي «خزام» و»الفرسان».
لقد تنبأ الأمير الراحل بالضواحي السكنية المنظمة والذكية قبل عقود طويلة من الزمان، وفي هذا السياق قال سمو ولي العهد بصدق وشفافية متناهية: «لو طُبقت فكرته واقتراحه لكان لدينا اليوم أكبر شركات التطوير العقاري في العالم، ولكان الوضع العقاري والسيد السكني أفضل بكثير من الوضع الحالي، وكان عندنا شركات تطوير عقاري من الأفضل في العالم». يا لها من رؤية عبقرية نامت في رمال الزمان لعقود، لكنها لم تمت، لأن الأفكار العظيمة لا تموت؛ بل تنتظر دائماً الرجال الملهمين ليحيوا أثرها وينفخوا في روحها الحياة من جديد. وكما قال سمو ولي العهد بعبارته التاريخية التي تنبض بالأمل والإصرار ومسابقة الزمن: «أن تأتي اليوم خير من ألا تأتي أبداً». وها هي قد أتت اليوم في أبهى وأعظم صورها من خلال رؤية السعودية 2030، التي نفضت الغبار عن تلك الأحلام والخطط القديمة، وحولتها إلى واقع عمراني واقتصادي ملموس يعيشه المواطن السعودي في ضواحٍ سكنية عالمية المستوى.
إن ربط اسم الأمير مساعد بن عبد الرحمن آل سعود بالجامعة السعودية الإلكترونية يعد تلاحماً وجدانياً وفكرياً فريداً من نوعه؛ فهذه الجامعة التي تقوم في أساسها على الابتكار والتقنية والتعليم الذكي المتقدم وتجاوز الحدود التقليدية للزمان والمكان، تصبح اليوم الوعاء الأجمل والأكثر ملاءمة لحمل اسم رجل تجاوز بعقله وفكره حدود زمانه ومكانه، وعاش بمخيلته وثقافته في المستقبل الذي نعيشه اليوم.
غفر الله للأمير مساعد بن عبد الرحمن، ورحمه رحمة واسعة، وطيب ثراه، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء بما قدم وبما فكر وبما خطط. وحفظ الله لنا خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، قادة الوفاء والريادة، الذين يبرهنون لنا في كل يوم وفي كل قرار أن المملكة ستبقى دائماً وفية لرجالاتها الصادقين، وأن شجرة النهضة التي غرسها الأجداد والآباء تُسقى اليوم برؤية الأحفاد لتثمر مجداً وعلياءً يعانق عنان السماء.
إطلاق اسمه على الجامعة السعودية الإلكترونية
في مسيرة الأوطان الكبرى، ثمة قامات تاريخية لا تنتهي حكاياتها بانتهاء آجالها، بل تظل أفكارها ومبادراتها حية تنبض بالضوء، وكأنها كُتبت لتبصر النور في زمان غير زمانها. ومن بين هذه الرموز المضيئة في تاريخ المملكة العربية السعودية، يتلألأ اسم الأمير مساعد بن عبد الرحمن آل سعود -رحمه الله وغفر له- أخو المؤسس العظيم الملك عبد العزيز، ورجل الدولة والثقافة والإدارة المتفرد.
حينما صدر التوجيه الكريم والسامي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أيده الله-، بناء على ما رفعه سمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- بإطلاق اسم الأمير مساعد بن عبدالرحمن على الجامعة السعودية الإلكترونية، لم يكن هذا القرار مجرد تسمية جغرافية أو إدارية لصرح تعليمي، بل كان ترنيمة وفاء وطني وعاطفي من الطراز الرفيع. إنه درس حيّ في الوفاء تقدمه القيادة السعودية للعالم؛ لتؤكد من خلاله أن الذاكرة الوطنية لا تنسى المبدعين والبناة، وأن الأفكار الاستشرافية التي صاغها الراحلون بكثير من الوعي، هي اليوم الركائز التي يستند عليها حاضرنا المزهر.