د.علي عبدالحكيم الطحاوي يكتب: الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة

الشرق الأوسط لم يعد يعيش أزمة إقليمية عابرة وإنما يقف أمام مرحلة جديدة تتغير فيها موازين القوة والتحالفات، وتتداخل فيها ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد والطاقة والممرات البحرية بصورة تجعل أي تطور في إحدى دول المنطقة قادرًا على ترك تداعيات تتجاوز حدودها.

وأرى في قلب هذه التحديات تأتي زيارة ولي العهد السعودي لمصر لتؤكد دور مصر الرئد في المنطقة وعلى عمق العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين مصر والسعودية بحكم موقعهما ومصالحهما المباشرة في أمن البحر الأحمر والخليج واستقرار المنطقة.

لأن الموقف المصري بالنسبة للمملكة العربية السعودية خلال الأحداث الأخيرة يقدم مؤشرًا واضحًا على طبيعة المرحلة المقبلة فالقاهرة لم تتعامل مع ما يجري باعتباره شأنًا سعوديًا منفصلًا، ولكن أعلنت صراحة أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، وأكدت رفضها لأي اعتداء أو تهديد يمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية.كما جددت مصر دعمها للمملكة في مواجهة التحديات الإقليمية وقد دعت مصر في الوقت نفسه إلى الحلول السياسية للأزمات القائمة.

وهذا الموقف بالنسبة لمصر يحمل دلالة سياسية مهمة؛ فمصر تقول بوضوح إن أمن الخليج والبحر الأحمر ليس ملفًا بعيدًا عن أمنها القومي، وإن استقرار المنطقة لا يمكن أن يقوم على سياسة المحاور أو على استمرار التصعيد، وإنما يحتاج إلى تنسيق عربي قادر على حماية الدول وسيادتها ومصالح شعوبها.

وتزداد أهمية هذا الموقف عندما يتعلق الأمر بالبحر الأحمر، الذي يمثل بالنسبة إلى مصر شريانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يرتبط مباشرة بقناة السويس وحركة التجارة الدولية وقد أكدت القاهرة رفضها لاستهداف السفن والمنشآت المدنية والتهديدات التي تمس حرية الملاحة، معتبرة أن أمن البحر الأحمر جزء أساسي من أمن التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

ومن هنا يمكن فهم التقارب المصري السعودي في المرحلة الحالية بصورة أوسع من مجرد العلاقات الثنائية، فالقاهرة والرياض تواجهان بيئة إقليمية تتطلب مزيدًا من التنسيق في مواجهة التحديات الإقليمية سواء فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر أو أمن الخليج أو القضية الفلسطينية أو الأزمة اليمنية أو استقرار السودان.

كما أن الموقف المصري لا يقتصر على البعد الأمني، ولكن يحمل رؤية سياسية واضحة تقوم على أن التصعيد المستمر لا يمكن أن يكون طريقًا دائمًا للاستقرار ولذلك تؤكد القاهرة باستمرار أهمية الحلول السياسية والحفاظ على سيادة الدول ومنع اتساع دائرة الصراع .

ومن هنا يظهر الدور المصري في المرحلة الجديدة فمصر لا تتحرك فقط باعتبارها دولة عربية كبيرة وإنما باعتبارها دولة تمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها في قلب معادلة البحر الأحمر والبحر المتوسط وقناة السويس، فضلًا عن حدودها المباشرة مع ليبيا والسودان وفلسطين ، وهو ما يجعل استقرار محيطها الإقليمي مرتبطًا بصورة مباشرة بأمنها الوطني والاقتصادي.

وفي المقابل أرى من التحرك السعودي في بيئة إقليمية أصبحت فيها حماية أمنها ومصالحها الاقتصادية والطاقة والممرات البحرية جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.

ومن ثم فإن التنسيق بين قطبي الشرق الأوسط المصري السعودي يكتسب أهمية خاصة في هذه اللحظة، خصوصًا أن البلدين أكدا خلال اللقاء الأخير ضرورة استمرار التشاور المباشر والتنسيق بشأن التطورات الإقليمية.

وعلى جميع الدول في الشرق الأوسط في المرحلة الجديدة أن تستعد على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها.فالمنطقة دفعت خلال السنوات الماضية ثمنًا باهظًا للحروب والتوترات، وأصبحت أمام اختبار حقيقي: هل تستمر في الدوران داخل دائرة التصعيد، أم تبدأ في بناء معادلة جديدة يكون فيها الأمن مقدمة للتنمية، والاقتصاد أداة للتقارب، والدبلوماسية وسيلة لمنع الحروب قبل اندلاعها؟

لأن الموقف المصري في هذه اللحظة يبدو واضحًا في ثلاثة مسارات مترابطة: حماية الأمن القومي المصري، دعم أمن الدول العربية وفي مقدمتها السعودية ودول الخليج، والتمسك بالحلول السياسية ورفض توسيع دائرة الصراع. وهذه المسارات تعكس إدراكًا بأن أمن مصر لم يعد منفصلًا عن أمن البحر الأحمر والخليج واستقرار محيطها العربي.إن الشرق الأوسط يدخل بالفعل مرحلة جديدة لم تحسم بعد فقد تكون مرحلة تستمر فيها المواجهات وتتسع فيها دائرة المخاطر، وقد تكون فرصة لإعادة بناء منظومة إقليمية أكثر توازنًا تقوم على احترام سيادة الدول وحرية الملاحة والحلول السياسية والتعاون الاقتصادي.

كما تبدو العلاقات المصرية السعودية المشتركة أمام اختبار جديد عنوانه الأساسي: كيف يمكن تحويل التنسيق السياسي إلى قدرة حقيقية على حماية الاستقرار العربي والمصالح المشتركة؟ومن سيكون قادرًا على صياغة قواعده بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه ؟وفي هذه اللحظة تبدو مصر أمام مسؤولية إقليمية كبيرة ليس فقط بحكم تاريخها وإنما بحكم موقعها ومصالحها وأمنها القومي .