نحن نهتم كثيرًا بأن نربي أبناءنا على النجاح، وأن يحصلوا على تعليم جيد، وأن يعرفوا كيف يواجهون الحياة ويكسبون المال ويحافظون على مكانتهم بين الناس، لكننا أحيانًا ننسى سؤالًا أكثر أهمية: هل نربيهم ليكونوا صالحين للحياة مع إنسان آخر؟
قد ننجح في تربية شاب متفوق، قوي الشخصية، قادر على تحمل المسؤولية المهنية، لكنه يدخل الزواج وهو لا يعرف كيف يستمع، أو يعتذر، أو يحتوي غضب زوجته، أو يعبر عن مشاعره، أو يرى المرأة شريكة كاملة لا مجرد شخص يقوم بما يحتاجه هو. وهنا تظهر الحقيقة التي ربما لا نحب مواجهتها: النجاح في الحياة لا يعني بالضرورة النجاح في الزواج.
الرجل الصالح للزواج لا تصنعه شهادة جامعية، ولا وظيفة مرموقة، ولا قدرة مادية، ولا حتى مجرد حسن الخلق أمام الناس. هذه كلها أمور مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. الزواج يحتاج رجلًا يعرف أن هناك إنسانة أخرى ستشاركه حياته، لها مشاعرها واحتياجاتها وأحلامها وحدودها، وأن الحب ليس أن يجد شخصًا يلبي احتياجاته، وإنما أن يتعلم كيف يصنع مساحة يستطيع فيها اثنان أن يعيشا دون أن يبتلع أحدهما الآخر.
والسؤال هنا ليس: هل ابننا رجل جيد؟السؤال الأعمق: هل تعلم كيف يكون زوجًا جيدًا؟
قد يكون الابن مهذبًا مع الغرباء، متفوقًا في دراسته، محبوبًا بين أصدقائه، لكنه لم يتعلم داخل بيته أن الإنسان مسؤول عن أثره في الآخرين. قد يغضب فتسارع أمه إلى إرضائه، يخطئ فيجد من يبرر له، يفشل فتبحث الأسرة عن شخص تلقي عليه المسؤولية، يطلب شيئًا فيأتيه قبل أن يتعلم كيف يسعى إليه.
ثم يكبر هذا الابن، ويدخل الزواج، فيكتشف أن زوجته ليست أمه.
وهذه واحدة من أكثر المشكلات التي يمكن أن تبدأ منها أزمات الزواج.
الطفل الذي اعتاد أن تقوم أمه بكل شيء نيابة عنه، قد يكبر وهو يعتقد أن الرعاية حق طبيعي يحصل عليه من المرأة التي يعيش معها. لا يرى ترتيب البيت مسؤولية مشتركة، ولا يرى الاهتمام بالأطفال مشاركة، ولا يدرك أن زوجته يمكن أن تتعب مثله، وأن لها حقًا في الراحة مثلما له حق فيها.
والأم التي كانت تفعل ذلك بدافع الحب قد تكتشف بعد سنوات أنها لم تكن تحمي ابنها من مسؤوليات الحياة، بل كانت تؤجل مواجهته بها.
الحب الحقيقي لا يعني أن نفعل لأبنائنا كل شيء، وإنما أن نعلمهم كيف يفعلون الأشياء لأنفسهم.
نحن لا نربي أبناءنا ليبقوا أطفالًا يحتاجون إلى من ينقذهم كلما واجهوا موقفًا صعبًا. نحن نربيهم ليصبحوا رجالًا قادرين على الوقوف إلى جوار إنسان آخر، لا خلفه ولا فوقه.
وهنا يأتي السؤال الأصعب: ماذا نعلّم أبناءنا عن الرجولة؟
إذا كان الطفل يسمع منذ صغره أن الرجل لا يبكي، ولا يخاف، ولا يعتذر، ولا يتراجع، ولا يقول إنه متعب، فنحن لا نصنع منه رجلًا قويًا بالضرورة، وإنما قد نصنع إنسانًا لا يعرف كيف يتعامل مع مشاعره.
والرجل الذي لا يعرف ماذا يفعل بحزنه، قد يحوله إلى غضب.
والذي لا يستطيع التعبير عن خوفه، قد يحوله إلى سيطرة.
والذي يرى الاعتذار ضعفًا، قد يتمسك بخطئه حتى يخسر من يحب.
والذي تعلم أن إخفاء مشاعره هو معنى القوة، قد يعيش سنوات طويلة داخل زواجه وهو يحب زوجته فعلًا، لكنه لا يعرف كيف يجعلها تشعر بهذا الحب.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الرجولة أمام أبنائنا.
وليست أن تتحمل كل شيء بصمت ثم تنفجر في لحظة واحدة.
الرجولة الأكثر نضجًا هي أن تعرف متى تكون قويًا ومتى تكون لينًا، متى تتمسك بموقفك ومتى تراجع نفسك، متى تقول «لا»، ومتى تقول «أنا أخطأت»، ومتى تحتاج إلى مساعدة دون أن تشعر أن ذلك ينتقص منك.
والأهم أن يتعلم ابننا أن القوة لا تعطيه حق إيذاء الأضعف منه، وأن امتلاكه سلطة أو قدرة أو مالًا لا يجعل مشاعر الآخرين أقل قيمة.
البيت هو أول مدرسة عاطفية يتعلم فيها الطفل كيف يحب.
قبل أن يعرف معنى الزواج، يكون قد رأى الزواج.
يراه في عيني أبيه وهو يتحدث إلى أمه، في طريقة اختلافهما، في طريقة اعتذار أحدهما للآخر، في احترام الأب لأم أبنائه، وفي الطريقة التي تتعامل بها الأم مع الأب أمام أطفالها.
الطفل لا يحتاج دائمًا إلى محاضرة عن الاحترام. يكفي أن يراه.
والابن الذي يرى والده يرفع صوته على أمه كلما غضب، ثم يعود بعد دقائق وكأن شيئًا لم يحدث، قد يتعلم أن الغضب يلغي الاحترام.
والذي يرى والده يستشير أمه، ويحترم رأيها، ويساعدها، ويعتذر لها عندما يخطئ، ويتعامل معها باعتبارها شريكة، يتلقى درسًا عميقًا في الزواج دون أن تشرح له الأسرة شيئًا.
الأب هنا لا يربي ابنه بالكلمات فقط؛ هو يقدم له النموذج الذي قد يحمله الابن إلى زواجه دون أن يشعر.
الأم التي تربي ابنها على أن النساء موجودات لخدمته، حتى لو قالت ذلك في صورة مزاح، قد تزرع داخله مفهومًا سيكتشف خطورته لاحقًا.
والأم التي تفعل كل شيء لابنها، ثم تشتكي بعد زواجه من زوجته لأنها لا تفعل له ما كانت تفعله هي، قد تكون دون قصد قد وضعت المرأة القادمة إلى حياة ابنها في منافسة غير عادلة.
الأم ليست مطالبة بأن تتراجع عن حبها لابنها عندما يتزوج، لكنها مطالبة بأن تفهم أن مهمتها ليست أن تجعل ابنها محتاجًا إليها طوال حياته، بل أن تجعله قادرًا على بناء حياته باستقلال ونضج.
الحب الذي يقول للابن: «أنا هنا دائمًا، لكنك قادر على فعل ذلك بنفسك» أكثر نضجًا من الحب الذي يقول له: «دعني أفعل كل شيء بدلًا منك».
هناك أيضًا درس مهم جدًا يجب أن يتعلمه الابن قبل الزواج: أن المرأة ليست مطالبة بأن تشبه أمه.
زوجته المستقبلية ليست نسخة أخرى من المرأة التي ربته.
قد تطهو بطريقة مختلفة، وترتب البيت بطريقة مختلفة، وتحتاج إلى وقت خاص لنفسها، وقد يكون لها رأي مختلف، وقد لا تستطيع أن تقدم له كل ما اعتاد عليه في بيت أسرته.
ومن أكثر الأخطاء التربوية خطورة أن نربي الولد على أن المرأة الجيدة هي التي تتحمل كل شيء، وتسكت عن كل شيء، وتضع نفسها دائمًا في المرتبة الأخيرة.
لأننا بذلك لا نربيه على تقدير المرأة، بل نربيه على توقع استنزافها.
يحتاج ابننا أن يعرف أن زوجته يمكن أن تقول «أنا متعبة» دون أن تكون مقصرة، وأن تختلف معه دون أن تكون قليلة الاحترام، وأن تطلب وقتًا لنفسها دون أن يعني ذلك أنها لا تحبه، وأن يكون لها طموحها وشخصيتها واهتماماتها خارج إطار الزواج.
ويحتاج أيضًا أن يعرف أن الاعتذار لا ينتقص من رجولته.
بل ربما تكون هذه من أهم المهارات التي يحتاجها الرجل في زواجه.