أثار الكاتب والباحث الأمريكي نورمان فينكلشتاين جدلا بتصريحات تناولت المحرقة النازية ومستويات معاداة السامية في أوروبا، بعدما قال إن إبادة ستة ملايين يهودي خلال الحرب العالمية الثانية أسهمت في تراجع مستويات العداء لليهود في القارة الأوروبية، مستخدما عبارة «هتلر حلّ المسألة اليهودية»، في إشارة إلى الإبادة الجماعية التي ارتكبها النظام النازي.
ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، في تقرير نشرته الجمعة 9 أكتوبر 2026، عن فينكلشتاين هذه التصريحات، التي أدلى بها خلال مقابلة في بودكاست «باد فيث» الذي تقدمه بريانا جوي غراي.
وقال فينكلشتاين، وفقًا للصحيفة، إن السبب وراء عدم وجود مستويات مرتفعة من معاداة السامية في أوروبا حاليًا هو أن هتلر «حلّ المسألة اليهودية»، مضيفًا أن إبادة ستة ملايين يهودي غيّرت واقع وجودهم في القارة، وأن مستويات العداء لليهود كانت ستظل مرتفعة للغاية، بحسب تقديره، لو بقوا على قيد الحياة في أوروبا.
وجاءت هذه التصريحات خلال مناقشة الأسس التاريخية للصهيونية، في سياق جدل سياسي متجدد بشأن العلاقة بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل ومعارضة الصهيونية.
تكتسب تصريحات فينكلشتاين بعدا إضافيا بالنظر إلى خلفيته الشخصية والعائلية؛ فهو كاتب وعالم سياسة أمريكي من أصول يهودية، وُلد في نيويورك عام 1953، لوالدين نجيا من المحرقة النازية، بينما قُتل أفراد عائلته من الجانبين خلال الهولوكوست.
ووفقا للسيرة المنشورة على موقعه الرسمي، عاشت والدته ماريلا فينكلشتاين تجربة الاضطهاد النازي، ونجت من حي وارسو اليهودي ومن الترحيل إلى معسكر مايدانيك، قبل أن تنتقل إلى معسكرات للعمل القسري.
أما والده، زكريا فينكلشتاين، فنجا بدوره من حي وارسو اليهودي، ورُحّل إلى معسكر أوشفيتز، كما نجا من مسيرة الموت مع اقتراب نهاية الحرب.
ولم تقتصر خسائر العائلة على ما تعرض له الوالدان؛ إذ ذكر فينكلشتاين أن أفراد عائلته من الجانبين، باستثناء والديه، أُبيدوا خلال المحرقة. وبعد انتهاء الحرب، التقى والداه في مخيم للنازحين بمدينة لينتس النمساوية، قبل هجرتهما إلى الولايات المتحدة.
وشكلت تجربة والديه وما تعرضت له العائلة خلال المحرقة جزءًا من الخلفية الشخصية والفكرية للكاتب، الذي عُرف لاحقًا بأبحاثه وكتاباته النقدية بشأن إسرائيل والصهيونية والقضية الفلسطينية.
تزامنت تصريحات فينكلشتاين مع الجدل بشأن مقترح تبناه حزب الخضر البريطاني، يصف الصهيونية بالعنصرية، ويدعم إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على كامل فلسطين التاريخية، وعاصمتها القدس.
وبحسب «جيروزاليم بوست»، جاء النقاش خلال تناول تعريف الصهيونية وأهدافها السياسية والتاريخية، فيما انتقدت وزارة الخارجية الإسرائيلية موقف الحزب، معتبرة أن المقترح يمنح شرعية للإرهاب.
ويعكس هذا الجدل خلافًا أوسع بشأن الحدود الفاصلة بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل؛ إذ تُعرّف معاداة السامية بأنها العداء أو التمييز ضد اليهود بسبب هويتهم، بينما يشمل انتقاد إسرائيل الاعتراض على سياسات حكومتها أو ممارساتها العسكرية والسياسية.
وفي المقابل، تحذر جهات معنية بمكافحة معاداة السامية من أن بعض أشكال الخطاب المناهض للصهيونية قد تتضمن صورا نمطية معادية لليهود أو تحريضا ضدهم، بينما يؤكد منتقدو إسرائيل أن معارضة الصهيونية أو انتقاد السياسات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة العداء لليهود.
أعادت تصريحات فينكلشتاين تسليط الضوء على كيفية استدعاء المحرقة النازية في النقاشات السياسية المعاصرة، خصوصا في ظل استمرار الخلافات بشأن الحرب على غزة، وحقوق الفلسطينيين، وتعريف معاداة السامية.
وتظل الإبادة النازية التي أودت بحياة نحو ستة ملايين يهودي حقيقة تاريخية موثقة، فيما تثير صياغة فينكلشتاين تساؤلات بشأن تفسير العلاقة بين حجم الخسائر البشرية وتطور معاداة السامية في المجتمعات الأوروبية.
وتجدر الإشارة إلى أن ما أورده التقرير الإسرائيلي يمثل نقلًا لتصريحات فينكلشتاين وتفسيره لها، ولا يكفي وحده لإثبات وجود علاقة سببية بين المحرقة وتراجع معاداة السامية في أوروبا. ويتطلب تقييم هذا الطرح الرجوع إلى التسجيل الكامل للمقابلة، إلى جانب الدراسات التاريخية والاجتماعية المتعلقة بتطور الظاهرة.